نيويورك –سما الوطن
استعرض المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، رؤية الحكومة السودانية لإنهاء الحرب وإرساء سلام شامل ومستدام، مؤكداً أن تحقيق السلام يرتبط بمعالجة جذور النزاع، وحماية المدنيين، وإنهاء الوجود العسكري للقوات الموازية للدولة، إلى جانب إطلاق حوار سوداني–سوداني جامع يمهد للتحول الديمقراطي وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
وأوضح إدريس أن الرؤية السودانية تستند إلى استراتيجية متكاملة لإنهاء الحرب، طُرحت في مايو 2023 برعاية الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، مشيراً إلى أهمية وضع ترتيبات واضحة لحماية المدنيين، وإخلاء المرافق والمساكن المدنية من القوات المسلحة غير النظامية، والاتفاق على جدول زمني للانسحاب إلى نقاط تجميع تخضع للرقابة الدولية، فضلاً عن إخراج المرتزقة الأجانب ووقف تدفقات السلاح.
وشدد على ضرورة توحيد القوات العسكرية ضمن جيش وطني واحد، وربط أي تسوية سياسية بآليات تنفيذ واضحة وقبول شعبي، بما يضمن عدم استخدام القوة المسلحة لتحقيق مكاسب سياسية أو الوصول إلى السلطة خارج المسار الديمقراطي.
الحوار الوطني
وفي سياق متصل، رحب المندوب الدائم بالمواقف الصادرة عن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، عقب زيارة وفد رفيع المستوى إلى الخرطوم، مؤكداً أهمية احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه وسلامة نسيجه الوطني، ودعم تطلعات شعبه إلى الاستقرار والتنمية والحكم الديمقراطي.
وأشار إلى رفض الحكومة السودانية إنشاء كيانات أو حكومات موازية من شأنها المساس بوحدة البلاد، مؤكداً أن التوافق الوطني الشامل يمثل مدخلاً أساسياً لمعالجة الأزمة السياسية والوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة.
وكشف إدريس عن إنشاء لجنة مستقلة لتهيئة الحوار السوداني–السوداني، تعمل بعيداً عن التدخل الحكومي، بهدف إعداد معايير المشاركة ومنهجية العمل وضمان تمثيل مختلف مكونات المجتمع، دون فرض مخرجات مسبقة على المشاركين.
وقال إن السلام المستدام لا يقتصر على توقيع اتفاق لإنهاء القتال، وإنما يتطلب عملية سياسية ومجتمعية تعالج جذور النزاع وأسبابه، وتتيح إدارة الخلافات بصورة سلمية تحول دون تجدد الحرب مستقبلاً.
وأضاف أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أصدر ضمانات تتعلق بشطب بلاغات بحق معارضين سودانيين بسبب مواقفهم السياسية، وتوفير حماية قانونية مؤقتة للمشاركين في الحوار، بما يهيئ مناخاً ملائماً للمشاركة، وفقاً لما ورد في إفادته.
وأكد أن دور الحكومة سيقتصر على توفير الضمانات القانونية والأمنية والتسهيلات اللوجستية اللازمة، دون التدخل في اختيار أطراف الحوار أو التأثير في مخرجاته، مع إتاحة المشاركة للسودانيين داخل البلاد وخارجها.
وأوضح أن الحوار المرتقب سيشمل القوى السياسية والمدنية، والإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية، والنساء والشباب، واللاجئين والنازحين، والمهنيين والأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، ورجال الأعمال والقطاع الخاص، وممثلي الأقاليم والولايات، إلى جانب الفئات الأكثر تضرراً من الحرب.
ولفت إلى أن قضايا الانتهاكات والفظائع وحقوق الضحايا ستخضع لمعالجة مستقلة، بما يحافظ على مسار المساءلة القانونية ويمنع الإفلات من العقاب، مع إمكانية الاستفادة من الدعم الفني واللوجستي والخبرات الإقليمية والدولية دون المساس باستقلال القرار الوطني.
إنهاء التمرد ونزع السلاح
وأكد إدريس أن موقف الحكومة يتمثل في أن إنهاء الحرب يتطلب وضع حد للتمرد المسلح، وخروج القوات المقاتلة من المدن والمواقع المدنية التي تسيطر عليها، مشيراً إلى ضرورة تنفيذ الالتزامات المتعلقة باتفاق جدة الموقع في مايو 2023.
وشدد على أهمية تنفيذ برامج التسريح ونزع السلاح وإعادة الدمج، وحصر السلاح في يد الدولة، معتبراً أن استمرار وجود تشكيلات عسكرية موازية يمثل تحدياً أمام بناء مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي.
وأشار إلى أن المسار الديمقراطي يتطلب إنهاء الصراع العسكري ومنع استخدام القوة المسلحة وسيلةً للمنافسة على السلطة، محذراً من أن ترتيبات وقف إطلاق النار وحدها لا تكفي إذا أبقت على البنية العسكرية للقوات المتحاربة دون معالجة.
وفي هذا السياق، اتهم إدريس قوات الدعم السريع بالسعي إلى توظيف قوتها العسكرية لتحقيق أهداف سياسية، كما انتقد مواقف بعض القوى السياسية التي قال إنها تتقاطع مع رؤيتها، مؤكداً أن أي تسوية ينبغي أن تراعي حقوق الضحايا ومسؤولية مرتكبي الانتهاكات.
الأولوية للأزمة الإنسانية وحماية المدنيين
وعلى الصعيد الإنساني، أوضح إدريس أن الحكومة السودانية تضع معالجة الأزمة الإنسانية في مقدمة أولوياتها، بالتعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين، من خلال توسيع الممرات الآمنة وتسهيل وصول المساعدات إلى المتضررين، وفك الحصار عن مناطق في دارفور وكردفان، وحماية المدنيين والنازحين واللاجئين.
وشملت الأولويات، وفقاً لإفادته، العمل على إعادة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، وإطلاق سراح الأسرى والمخطوفين والمحتجزين عبر الآليات الوطنية والأممية والإقليمية، وتعزيز تدابير بناء الثقة وتهيئة المناخ للحوار، إلى جانب دعم المصالحة الوطنية واحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
كما أكد أهمية تحقيق العدالة الانتقالية، وتعزيز مشاركة النساء والشباب والمجتمع المدني، وتوسيع الفضاء المدني، وترسيخ المشروعية الديمقراطية أساساً للحكم، وصولاً إلى نهاية المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات عامة.
وفيما يتعلق بوصول المساعدات، أعلن إدريس أن حكومة السودان مددت فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد لمدة ثلاثة أشهر إضافية، اعتباراً من الأول من أكتوبر وحتى 31 ديسمبر 2026، بهدف تسهيل وصول الإغاثة إلى المدنيين المتضررين.
وأضاف أن الحكومة ستواصل التعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين لاستكمال ترتيبات الرصد والمراقبة وتعزيز الشفافية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وفقاً للقوانين الوطنية وأحكام القانون الدولي الإنساني.
وأشار إلى أن التمويل الفعلي لخطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2025 بلغ، بحسب الأرقام التي أوردها، 37.2%، مقابل عجز قدره 62.8% حتى منتصف عام 2026، لافتاً إلى أن فجوة التمويل أسهمت في تقليص نطاق التغطية الإنسانية لقطاعات واسعة من المتضررين.
وأوضح أن السلطات السودانية أصدرت 108 أذونات للتحرك الإنساني خلال الفترة الأخيرة، شملت 13 ولاية لصالح عدد من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، فيما تجاوز عدد السودانيين العائدين إلى البلاد عبر المعابر خمسة ملايين مواطن، وفقاً للبيانات التي عرضها.
كما أشار إلى اعتماد مسارات ومنافذ متعددة لإيصال المساعدات، تشمل ميناء ومطار بورتسودان، ومعابر أدري والطينة وأرقين وأشكيت، إلى جانب عدد من المطارات والمنافذ الداخلية، بما يدعم وصول الإغاثة إلى المناطق المتضررة.
اتهامات بشأن استهداف المنشآت المدنية
وفي محور آخر، اتهم إدريس قوات الدعم السريع بتكثيف استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف مناطق ومنشآت مدنية في كردفان والنيل الأزرق والولاية البيضاء ونهر النيل، مشيراً إلى استهداف محطات الوقود ومصادر المياه والجسور، وما قال إنه يترتب على ذلك من تهديد لحياة المدنيين وتعطيل للموسم الزراعي.
كما تحدث عن هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة على مدينة الأبيض، وعن استهداف منشآت في النيل الأزرق ومحطات كهرباء، مؤكداً ضرورة حماية البنية التحتية المدنية والحد من تداعيات الحرب على السكان.
وتأتي هذه المواقف في وقت تتواصل فيه الجهود السياسية والإنسانية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، وسط تحديات تتعلق بوقف القتال، وتأمين وصول المساعدات، ومعالجة آثار النزاع، والتوصل إلى تسوية سياسية تضمن وحدة البلاد واستعادة مؤسسات الدولة وإطلاق مسار ديمقراطي شامل.
