أمدرمان: سارة إبراهيم
حذر خبراء وإعلاميون من تنامي خطر الشائعات على الأمن القومي والتماسك المجتمعي، مؤكدين أن “معركة الوعي” باتت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه السودان خلال المرحلة الراهنة، في ظل الحرب وتعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والإعلامي.
وشدد المشاركون في ورشة “وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الشائعات”، التي نظمها مركز وعي الإعلامي، اليوم الاثنين، بصالة منتجع الراكوبة بمدينة أمدرمان، على أهمية بناء إعلام مهني ومسؤول قادر على مواجهة حملات التضليل، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي والتصدي للحرب النفسية التي تستهدف استقرار البلاد والجبهة الداخلية.
وشهدت الورشة، التي شارك فيها صحفيون وإعلاميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأمني والإعلامي، نقاشات موسعة حول دور الإعلام الرقمي في صناعة الرأي العام، والتحديات المرتبطة بسرعة انتشار الشائعات عبر المنصات الإلكترونية، خاصة خلال فترات النزاعات والأزمات.
وخاطب الورشة مدير عام وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، مؤكداً أن البلاد تواجه تحديات كبيرة في مجال الوعي والمعلومات، الأمر الذي يتطلب تعزيز المهنية الإعلامية والتعامل المسؤول مع المحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال إن التحولات التي شهدها الإعلام بعد الحرب فرضت واقعاً جديداً، موضحاً أن الصحفيين انتقلوا بصورة متزايدة نحو العمل عبر المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، التي أصبحت تمتلك التأثير الأكبر في تشكيل الرأي العام ونقل الأخبار.
وأضاف أن الإعلام الرقمي، رغم ما وفره من مساحات واسعة للنشر والتفاعل، أوجد تحديات خطيرة تتعلق بانتشار المعلومات غير الدقيقة والشائعات، مشيراً إلى أن غياب الضوابط المهنية في بعض المنصات ساهم في خلق حالة من الفوضى الإعلامية والتضليل.
وأوضح الطيب أن الصحافة الورقية كانت تواجه في السابق قيوداً عديدة، من بينها التأثيرات المرتبطة بالإعلانات والسياسات التحريرية، بينما أتاحت المنصات الرقمية اليوم مساحة أكبر للوصول إلى الجمهور والتعبير، لكنها في المقابل تحتاج إلى قدر عالٍ من المسؤولية والالتزام المهني.
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب إعلاماً وطنياً واعياً، لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يسهم في حماية المجتمع من خطاب الكراهية والشائعات ومحاولات بث الإحباط والانقسام، داعياً الصحفيين إلى تحري الدقة والتأكد من المعلومات قبل نشرها، وعدم الانسياق وراء السبق الصحفي على حساب المهنية والمصداقية.
وأشار إلى أن بعض الشائعات أصبحت تُدار بصورة ممنهجة ومنظمة بهدف التأثير على الاستقرار المجتمعي وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن الإعلام المهني يمثل أحد أهم أدوات التصدي لهذه الحملات.
من جانبه، قدم مديرة إدارة الحرب النفسية، العقيد خالد محمد عبد الله ورقة بعنوان “تحقيق السيادة المعلوماتية ومكافحة التضليل”، تناول خلالها مفهوم الحرب النفسية الحديثة، وأدوات التأثير الإعلامي المستخدمة في استهداف الشعوب والجبهات الداخلية.
وقال إن الشائعات لم تعد مجرد أخبار كاذبة متداولة بين الناس، بل أصبحت جزءاً من استراتيجيات الحروب الحديثة التي تعتمد على استهداف الوعي الجمعي وإضعاف الروح المعنوية للشعوب.
وأشار إلى أن القوات المسلحة السودانية لعبت دوراً مهماً في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية خلال الحرب، مستندة إلى قوة وصمود الشعب السوداني، مبيناً أن وحدة المجتمع وتماسكه تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل.
وأوضح أن الحرب النفسية تعمل على نشر الإحباط والخوف وفقدان الثقة عبر الأخبار المفبركة والمعلومات المجتزأة، مؤكداً أن كثيراً من الدول في الإقليم تعرضت للانهيار بسبب تفكك جبهتها الداخلية قبل الهزيمة العسكرية.
وأضاف أن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم هو سرعة انتشار المحتوى المضلل عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل، ما يجعل مسؤولية الإعلاميين مضاعفة في التحقق من المعلومات والتعامل الواعي مع الأخبار.
ودعا إلى تعزيز مفهوم “السيادة المعلوماتية” عبر بناء خطاب إعلامي وطني، وإنشاء منصات قوية قادرة على مواجهة المحتوى المعادي، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بخطورة تداول الشائعات دون التحقق من مصادرها.
وفي السياق ذاته، قدم الدكتور زهير الطيب بانقا ورقة بعنوان “الإعلام الرقمي بين الشرعية والتضليل”، تناول فيها التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في طبيعة الإعلام وطرق التأثير على المجتمعات.
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رئيسية لصناعة الرأي العام والتأثير السياسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن غياب الثقافة الرقمية لدى كثير من المستخدمين ساهم في انتشار الأخبار الكاذبة بصورة غير مسبوقة.
وبيّن بانقا أن الشائعات تنشط غالباً في أوقات الأزمات والحروب، وفي ظل غياب المعلومات الرسمية أو تأخرها، ما يفتح الباب أمام الصفحات غير الموثوقة والمصادر المجهولة لملء الفراغ المعلوماتي.
وأكد أن المؤسسات الرسمية مطالبة بتبني سياسات إعلامية أكثر سرعة وشفافية في نشر المعلومات، حتى لا تترك المجال للشائعات والتفسيرات غير الدقيقة.
وخلصت الورشة الى عدة توصيات بضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والأجهزة المختصة لمواجهة الشائعات، وتفعيل آليات التحقق من الأخبار، وإنشاء وحدات للرصد الإعلامي لمتابعة وتحليل المحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما دعت التوصيات إلى تنظيم برامج تدريبية متخصصة في الأمن المعلوماتي والصحافة الرقمية، وتوسيع حملات التوعية بمخاطر الحرب النفسية والتضليل الإعلامي، إلى جانب دعم الإعلام الوطني المهني القادر على حماية الوعي المجتمعي وتعزيز التماسك الوطني.
وأكدت الورشة في ختام أعمالها أن معركة الوعي أصبحت جزءاً أساسياً من معارك الدولة الحديثة، وأن الانتصار فيها لا يتحقق فقط بالأدوات العسكرية، بل أيضاً بإعلام مسؤول ومجتمع واعٍ قادر على مواجهة التضليل والشائعات.
