لم يجتمع السودانيون لأن الحرب أرهقتهم فقط…
بل لأن سؤالًا أكبر بدأ يفرض نفسه من يملك حق كتابة النهاية؟
المشهد في ظاهره بسيط قوى مدنية تدعو لوقف الحرب، ووسطاء دوليون يدفعون نحو تسوية، ومؤتمر قادم يُراد له أن يكون منصة للحل.
لكن الحقيقة، لمن ينظر أبعد قليلًا، أكثر تعقيدًا بكثير .
ليس كل من جلس إلى الطاولة جاء بروح واحدة، ولا بهدف واحد .
هناك من حضر ليوقف الحرب، نعم…
وهناك من حضر حتى لا يُكتب السلام بدونه .
القوى المدنية، التي ترفع شعار إنهاء الحرب، تجد نفسها في مفارقة قاسية
تريد أن ترسم مستقبلًا خاليًا من منطق السلاح، لكنها مضطرة للجلوس مع ظلاله .
تتحدث عن انتقال مدني كامل، لكنها تفاوض في واقع لا يزال السلاح فيه هو اللاعب الأقوى .
وفي الجهة الأخرى ، يقف معسكر السلطة، رافضًا في العلن، حاضرًا في الخفاء.
يرفض المنصات الدولية حين لا يقودها ، لكنه لا يسمح أن تُدار بدونه .
كأن الرسالة واضحة
إما أن أكون صاحب القرار… أو جزءًا لا يمكن تجاوزه منه .
أما أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالحرب (بشكل مباشر أو غير مباشر ) فقد عادوا بوجه جديد
وجه “الشركاء في السلام” .
لا لأن القناعات تبدلت بالضرورة، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت .
في السياسة، لا أحد يغادر المشهد بسهولة… بل يعيد تقديم نفسه.
وفي الخلفية، تتحرك و و و و، ليس بحثًا عن حل مثالي، بل عن حل ممكن .
حل يوقف النزيف… حتى لو لم يُنهِ المرض .
هنا تحديدًا، يظهر التناقض الأكبر
الجميع يتحدث عن “حل سوداني خالص”،
لكن الطاولة، والوساطة، والضغط… كلها خارج السودان.
فهل ما يُصاغ الآن هو حل وطني؟
أم تسوية دولية بوجوه سودانية؟
ما جرى في أديس أبابا لم يكن اتفاقًا، بل كان إعادة توزيع للأدوار.
كل طرف جاء ليحجز موقعه في ما بعد الحرب، لا ليُنهيها فقط.
ولهذا، بدا المشهد متماسكًا من الخارج، ومهتزًا من الداخل.
البيانات قد تُكتب بلغة جميلة وقف فوري، عملية سياسية، انتقال مدني…
لكن الكلمات وحدها لا تصنع واقعًا، إذا لم تتفق عليها إرادات متصارعة .
الحقيقة التي لا تُقال بصوت عالٍ هي هذه
الحرب في السودان لم تصل بعد إلى لحظة الحسم… بل إلى لحظة إعادة التموضع .
ولهذا، فإن أخطر ما في المرحلة ليس استمرار القتال فقط،
بل احتمال أن يُصنع “سلام ناقص”…
سلام يوقف النار، لكنه لا يطفئ أسبابها.
في النهاية، سيُقال إن الحرب انتهت.
لكن السؤال الذي سيبقى
هل انتهت فعلًا… أم تم تغيير شكلها فقط؟
في “مداد فسفوري”، نكتب ما لا يظهر تحت الضوء العادي .
وهنا، ما يجب أن يُرى بوضوح هو أن الصراع لم يعد فقط على وقف الحرب،
بل على من يملك روايتها… ومن يكتب مستقبلها .
tglawey81@gmail.com
