في المشهد السياسي السوداني المأزوم، تطل علينا بين الحين والآخر تصريحات ومواقف تكشف من بين ثنايا الحروف والسطور عن حجم الضغوط النفسية والسياسية التي يرزح تحتها الفاعلون السياسيون.
ومن بين هذه المواقف، طالعتنا تدوينة الأستاذ الفاضل محمد عصمت يحيى، والتي تستوجب منا وقفة تحليلية جادة تمزج بين المبدئية الأخلاقية والتشريح السياسي الرصين .
لا للابتزاز السياسي
قبل الولوج في تفاصيل التناقضات، يجب أن نثبت مبدأً لا يتجزأ: الابتزاز السياسي هو أحد أسوأ أمراض الممارسة الديمقراطية .
إن محاولات اغتيال الشخصية واستخدام الملفات الشخصية أو التهديد المعنوي لفرض مواقف سياسية معينة، هو سلوك عصابات بامتياز ولا يمت لرجال الدولة بصلة .
الموقف السياسي يجب أن يُبنى على القناعة، والبرامج، والشفافية، لا على ليّ الأذرع والترهيب؛ ومن حق أي فاعل سياسي أن ينام آمناً دون خشية تصفية الحسابات غير الأخلاقية، وهنا نعلن تضامننا المبدئي والكامل ضد أي سلوك ابتزازي أياً كان مصدره.
وفي قراءة تحليلية وتفكيك لمنشور الاستاذ محمد عصمت علي الفيس بوك نقراء بإمعان تسطيح المأساة وشرعنة الجرم
وبالانتقال إلى قراءة ما وراء السطور ، نجد أنفسنا أمام مغالطات تحتاج إلى كشف وتفكيك بمشرط التحليل الموضوعي:
نجد اولاََ تسطيح المأساة والتبسيط المخل حين يختزل الأستاذ مآسي السودان في عبارة “نهايتها مصافحة وابتسامة”، فإنه يُسقط – من حيث يدري أو لا يدري – أبعاد الكارثة الوجودية التي يعيشها إنسان السودان. ما يحدث ليس نزاعاً حزبياً صالونياً، بل هي حرب مدمرة تساوى فيها طرفا النزاع في الإجرام والانتهاكات بحق الشعب والوطن. تحويل غبار المعارك ودموع الثكالى إلى “مشهد رومانسي” للمصافحة هو استخفاف مريع بآلام الضحايا، وتأسيس وتطبيع صريح مع مبدأ الإفلات من العقاب.
ثانيا نجد ان الاستاذ محمد عصمت مارس الأبوية والوصاية السياسية بمخاطبة الشباب والثوار بمنطق “تمعنوا لتعوا السر” تعكس النظرة الأبوية المتعالية لجيل قديم أورث البلاد أزماتها عبر سياسات “عفا الله عما سلف” والتسويات الفوقية. الثوار خرجوا لكسر هذه الدائرة الشريرة وإرساء قيم المحاسبة والشفافية، وليس لإعادة تدوير نخب المصافحة الودية على أشلاء الوطن .
ثالثا الخروج من مربع الحياد يبدو المنشور في جوهره كغطاء وتمهيد لشرعنة دعم سلطة الأمر الواقع (حكومة التأسيس) .
وكأن لسان حال الكاتب يقول للشباب: “لا تزايدوا علينا بحدة المواقف، فنحن الكبار نعلم كواليس ما سيحدث”، وهو ما يمنح صكوك براءة مجانية مسبقة للتحالف مع أي طرف تحت لافتة “المرونة السياسية”.
اخيراََ إن الصراخ بهاشتاق (#من_يبتزني_لم_يولد_بعد) يحمل دلالات نفسية عميقة تعكس حالة الضغط النفسي الحاد والهروب للأمام .
السياسيون عادة لا يندفعون لنفي الابتزاز بهذه الحدة إلا عند شعورهم بحصار التناقض ومحاولة غسيل المواقف، للظهور بمظهر “الضحية الشجاع” تبريراً للتراجع عن المواقف المبدئية الصلبة والانحياز لدفة سلطوية جديدة.
📌مداد اخير
إن الأزمة الحقيقية التي يواجهها جيل الثورة ليست مع السلام، فهم دعاة السلام الحقيقي، لكنهم يرفضون “سلام النخب” الصالوني الذي يُبنى على جماجم الشعب وينتهي بابتسامات متبادلة فوق الكراسي والمناصب. السلام المستدام يبدأ بالعدالة والمحاسبة والمواقف الأخلاقية الصلبة، وليس بالتنازلات السياسية المتناقضة تحت وطأة الضغوط .
tglawey81@gmail.com
