ولاية الجزيرة هي قلب السودان النابض ومركز توازنه الزراعي والاقتصادي وخزينة كنوزه البشرية. فهي أرض الري الانسيابي والخصوبة العالية، والموقع الوسيط الذي يربط أجزاء السودان كافة. ورغم هذه الميزات الاستراتيجية، لم تحظَ الولاية عبر سنوات طويلة بقيادة تتوافق مع طبيعتها ودورها القومي، مما جعل أبناءها يتساءلون: هل ما يحدث تقصير مقصود أم أن إنسان الجزيرة غير محظوظ في خيارات المركز؟
يمتلك مشروع الجزيرة أكبر كتلة زراعية مروية في أفريقيا، بأراضٍ تُروى بطريقة تقلل كلفة الإنتاج وتضاعف العائد. كما أن قرب المسافات بين المدن والقرى والمشاريع الزراعية يجعل الولاية مهيأة لنهضة صناعية كبيرة في الغزل والنسيج والزيوت والصناعات الغذائية. وتضاف إلى ذلك خبرة المزارع والمهن الزراعية عبر أجيال، ما يجعل الجزيرة مركزاً طبيعياً للانتعاش الاقتصادي القومي. ومع ذلك ظل هذا المورد الضخم بلا إدارة استراتيجية حقيقية تليق به.
الحرب وما قبلها خلّفت دماراً واسعاً في البنى التحتية والاقتصاد، مما يجعل من الضروري أن تختار الحكومة المركزية والياً للولاية وفق مواصفات واضحة. يجب أن يكون الوالي من أبناء الولاية الأدرى بطبيعتها وتعقيداتها، وأن يمتلك رؤية اقتصادية وتجارية وخبرة عملية في إدارة الموارد والبشر، بعيداً عن المحاصصات القبلية والحزبية الضيقة. المطلوب قيادة قادرة على إطلاق عملية التنمية والإعمار فوراً وتحويل موارد الولاية إلى قوة إنتاج حقيقية.
ولا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية دون إعادة إحياء مشروع الجزيرة واستعادة هيبة شركة السودان للأقطان، فهما عماد العملية الزراعية والصناعات المرتبطة بها، والركيزة الأساسية لعودة السودان إلى موقعه الطبيعي كدولة زراعية صناعية. ويمكن لموارد الجزيرة، خاصة القطن والحبوب الزيتية، أن ترفد الاقتصاد القومي بموارد ضخمة إذا أُديرت بكفاءة وحُميت من الفساد والمحاصصات.
كما أن اتفاق مسار الوسط، الذي بُني على رؤية زراعية وتنموية واضحة، لم يجد التنفيذ الذي يستحقه. ومن المهم أن تُفعَّل استحقاقاته بجدية، لأن ضعف حكومة الولاية السابقة قبل سقوطها وبعد التحرير كان نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية والتأخير في تنفيذ الالتزامات.
وطبيعة إنسان الوسط، وفي الجزيرة خصوصاً، أنه بطبعه مبادر وشجاع وعاشق للعمل العام، ويكفي أن أبناء الجزيرة كانوا في مقدمة الصفوف في معركة الكرامة، يقاتلون في جميع المحاور دفاعاً عن الوطن دون تردد. وهذا ليس جديداً، فالوسط ظل عبر التاريخ خزاناً للكوادر الوطنية والكفاءات في مختلف المجالات. ومع ذلك يبقى السؤال المؤلم: لماذا يُستبعد أبناء الوسط من مواقع القيادة رغم كل هذا العطاء؟
الإجابة تكمن في أن المركز تعامل مع الوسط طويلاً باعتباره منطقة مستقرة وخالية من الصراع، وبالتالي لم يُنظر لأبنائه كأولوية سياسية. كما أن قلة الضجيج السياسي والولاءات المسلحة جعلت الوسط أقل قدرة على فرض نفسه أسوة ببعض الأقاليم الأخرى. وزاد على ذلك أن الجزيرة، بما أنها منطقة إنتاج زراعي ضخم، جرى النظر إليها كمزرعة للدولة وليس كولاية تستحق أن يقودها أبناؤها. وهذا خطأ استراتيجي دفعت البلاد ثمنه.
لكن الحقيقة أن أبناء الوسط ليسوا أقل كفاءة ولا أقل تضحية ولا أقل وطنية، بل هم الأكثر انضباطاً وقدرة على إدارة شؤون الدولة دون مزايدات. واليوم، ومع ما قدموه في معركة الكرامة وتحرير مساحات واسعة من قلب الوطن، لم يعد من المقبول استمرار إقصائهم من القيادة. إنسان الوسط قدّم الدم والعرق والفكر، ومن حقه الطبيعي أن يكون شريكاً في الحكم، لا كمجاملة ولا كترضية، بل كاستحقاق لدوره التاريخي والحاضر.
إن استقرار ولاية الجزيرة وتحريك نهضتها يبدأ بتعيين والٍ من أبنائها، صاحب رؤية استراتيجية وخبرة عملية، وشخصية تجد قبولاً واسعاً بين أهل المنطقة. فاحترام حق أبناء الجزيرة في المشورة حول اختيار الوالي ليس تفضلاً ولا منحة، بل استحقاقاً سياسياً يضمن نجاح المرحلة المقبلة ويعيد للولاية مكانتها الطبيعية في قلب الوطن.
