بدأ احتكاك المجموعات العربية بجنوب السودان في بدايات القرن الثاني عشر الميلادي ، ووصل ذروته في القرن الخامس عشر ، ومع ظهور الممالك الاسلامية في السودان مثل سلطنة الفونج او السلطنة الزرقاء ،وسلطنات دارفور و التي حلت محل الممالك النوبية المسيحية القديمة ، اصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية ولغة التواصل المشتركة في تلك المناطق ، وفي العام 1821 ارسل الخديوي محمد على باشا حاكم مصر تجريدة عسكرية لملاحقة المماليك الذين فروا الى بلاد النوبة ، وبعدها اعلن سيطرته على جزء كبير مما اصبح يعرف اليوم باسم السودان الحديث ، ولذلك يري كثير من الباحثين بان تلك الحقبة( العهد التركي المصري)، يمكن ان تسمي بالفترة التي شهدت الدخول المبكر للغة العربية لجنوب السودان، وقد تم ذلك حسب بول دينق على يد ثلاثة عناصر اساسية هي الجلابة ، والفقراء و الجنود المصريين.
ويقصد بالجلابة التجار الاوربيين و المصريين و السوريين والتونسيين و السودانيين الشماليين ،الذين وفدوا الى الجنوب ، وقدر عددهم آنذاك بحوالي 5000 فرد على الاقل في بلاد الفراتيت في بحر الغزال وحدها، وقد نشط هؤلاء في التجارة المشروعة “العاج وريش النعام” ، كما نشطوا بصورة اكبر في تجارة الرقيق الممنوعة اخلاقيا وقانونيا ، وقد اسهم هؤلاء التجار في نشر اللغة العربية في غمرة انهماكهم في تحقيق الاغراض التجارية باعتبارها وسيلة تخاطب تفيد في التواصل بينهم و المجموعات المحلية ، اما الفقراء فهم مجموعة من الدعاة و الشيوخ الذين وفدوا الى الجنوب لنشر الرسالة الاسلامية وتعليم مبادئ القراءة والكتابة العربية، وهؤلاء اغلبيتهم من اقليم دارفور ،اما المجموعة الثالثة التي ساهمت في نشر العربية بجنوب السودان فهم الجنود المتمثلين في عناصر الجيش التركي المصري الى جانب الجنود المنحدرين من مناطق شمال السودان ، تحديدا الدناقلة والشايقية و الجعليين وبعض العناصر النوبية، وكان هؤلاء يتستخدمون العربية كلغة تواصل شفهي بينهم و الجماعات الجنوبية المحلية .
وترى بعض الدراسات اللغوية ان عربية جوبا المعاصرة انحدرت اساسا من اللهجة العربية التي كان يستخدمها الجنود من المصررين و الاتراك ، لذلك عرفت في البدايات باسم ” عربية البمباشي” في اشارة الى كلمة “امباشي” التركية و التي تعني القائد العسكري او الضابط العثماني الرفيع،وفيما بعد صارت تعرف بـ”عربية منقلا” نسبة الى معسكر الجيش المصري التركي الذي كان يوجد في مدينة منقلا بالقرب من مدينة جوبا الحالية، كما تعود نشاة “عربي جوبا” ايضا بنظر الكثير من الباحثين الى قيام معسكرات الجيش و التجار وانتشار تجارة الرقيق بصورة كبيرة في الفترة مابين 1854 وحتى 1889، مما ادى الى وقوع اضطرابات اجتماعية كبيرة ادت الى ظهور اللهجة العربية في الاقليم الذي لم يكن سكانه يتحدثون العربية ، ففي تلك المعسكرات كان يتواجد خليط من الناس و الاعراق و الجماعات اللغوية من بينهم الجماعات التي تتحدث العربية و الذين يعملون كمترجمين يعرفون ايضا بالتراجمة وهم من الوطنيين اي من سكان المناطق المختلفة بالمنطقة الاستوائية ويسمي المسلح منهم بازنقر والصبي التابع حامل البنادق باسم (فرخ) ، وقد تحول بعضهم بعد التدريب الى جنود نظاميين في الجيش الحكومي، الى جانب الجنود الارقاء و الارقاء انفسهم الذين يتم اصطيادهم من المجتمعات المحلية مثل الموندو،لوغبارا،الدينكا،الشلك ،الباري .. الخ ، وفي اطار حملات الحكومة لمحاربة تجارة الرقيق تحولت معسكرات التجار الى مقرات للجيش ، بينما تحول الاشخاص الذين كانوا يعملون في “الزريبة” الى جنود في الجيش الحكومي ، وخلال تلك الفترة بدا السكان المحليين من الجنوبيين ، والارقاء السابقين يلتحقون بمعسكرات الجيش الحكومي ، وفي تلك البيئة والظروف بدأت تتشكل لهجة عربية جديدة ، بينما ترى بعض الدراسات ان اسباب ظهور تلك اللهجة العربية الهجينة تظل مجهولة حتى الان، وتشير المصادر التاريخية الى ان “عربي جوبا” استقرت في المنطقة خلال فترة زمنية قصيرة تقدر بحوالي الـ45 عاما (1854-1889) ،اي قبل انفصالها عن لغة “الكينوبي” المنتشرة في اقليم شرق افريقيا وتحديدا في كينيا ويوغندا.
عليه فان فترة الادارة التركية المصرية للسودان والتي مثلت اول ارتباط اداري بين الشمال و المناطق الجنوبية ، قد فتحت المنطقة امام التاثيرات الخارجية ، حيث توافد التجار من الجلابة ، والمكتشفين المغامرين و المبشرين، وقد ادى ذلك الى ادخال اللغة العربية الدارجة كاداة للتواصل بين السكان المحليين و متحدثي العربية الوافدين، وقد استخدمت العربية في جميع الانشطة المذكورة في التخاطب بين المراكز الادارية و المحطات التجارية ، كما عمد بعض التجار للاستيطان وسط المجتمعات المحلية والتزاوج معهم، وقد استخدم الاهالي العربية كلغة تخاطب راجحة بثقلها المادي ، وقد تركت اللغات المحلية بالضرورة اثارها الصوتية و الدلالية على اللهجة العربية المكتسبة ، “ولا ريب ان التدفق الكبير لمتحدثي اللغة العربية في منطقة الاستوائية عامة وتمركزهم في غندكرو خاصة وتفاعلهم مع قبيلة الباري، قد اسهم في بذر البذرة الاولى لعربية جوبا الدارجة التي نلحظها اليوم”.
* من ورقة منشورة ضمن كتاب اضواء على ظلال الصادر عن دار رفيقي للطباعة بعنوان :
عربي جوبا : الهجنة التائهة بين الهوية والانتماء
عبد الجليل سليمان
