عطفاً على الخبر: رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان يؤكد تقديم مقترح لإرجاع علم السودان القديم الذي رفعه الآباء في الاستقلال.
إن هذا الطرح يفتح باباً ضرورياً للنقاش حول رمزية العلم وهوية الدولة، لأن العلم ليس مجرد قطعة قماش، بل ذاكرة جماعية تختزن تاريخ الشعوب ومسارها السياسي. وبرأيي الشخصي، فإن ما يُعرف بـ”ألوان الوحدة العربية” لا تمثل بالضرورة هوية السودان، ولا تعكس واقعه الحضاري المعقّد، بل هي في جوهرها امتداد لمرحلة استعمارية تشكّلت فيها خرائطنا وأعلامنا بيد موظفين بريطانيين أكثر مما تشكّلت بإرادة شعوب المنطقة.
*أعلام سايكس بيكو… هندسة استعمارية بلمسة بريطانية مستعجلة*
من الوثائق المحفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني أن السير مارك سايكس (أحد مهندسي اتفاقية سايكس بيكو) كان من بين من صمّم نماذج الأعلام العربية الحديثة، وأن هذه التصميمات أُرسلت في حينها إلى ريجنالد ونجيت، المندوب السامي البريطاني في مصر. وختم سايكس إحدى رسائله بالاعتذار قائلاً: «أعتذر بشدة عن الطبيعة العجولة لهذه الرسالة، فلم يكن لدي أكثر من خمسٍ وعشرين دقيقة لإنجازها، بما فيها الرسوم.»
خمسة وعشرون دقيقة فقط، كانت كافية لرسم رموز ستتحول لاحقاً إلى أعلام دول كاملة، من غير دراسة تاريخية عميقة ولا فهم حقيقي لجغرافيا الشعوب ولا لخصوصياتها الثقافية.
وعلى الرغم من أنّ هذه الألوان ارتبطت بالثورة العربية الكبرى عام 1916، فإن المصادر البريطانية نفسها تؤكد أن الهدف كان خلق شعور مُصطنع بـ«العروبة» لتسهيل التمرّد على الخلافة العثمانية. وما تلا ذلك من مراسلات الشريف حسين و مكماهون، ثم سايكس بيكو، ثم معاهدة سيفر والانتداب، كل ذلك كشف حجم الفجوة بين الشعارات الوردية والواقع التقسيمي على الأرض.
*السودان… فسيفساء حضارية لا تختزل في هوية واحدة*
السودان ليس عربياً خالصاً ولا إفريقياً خالصاً، بل هو دولة كوشية–عربية–إفريقية متعددة الأعراق والثقافات، وبه أكثر من 70 لغة حية.
ومن أبرز هذه اللغات:
اللغات النوبية في شمال السودان،
لغات تيما (دموريك) وتقوي في جنوب كردفان،
الفور والمساليت والزغاوة في دارفور،
اللغات البجاوية في شرق السودان،
إضافة إلى اللغة العربية التي أصبحت اللغة الجامعة والمشترَك التواصلـي بين هذه المكوّنات، وغيرها من اللغات واللهجات المنتشرة في كافة ربوع السودان.
هذا التنوع ليس حالة طارئة، بل هو جوهر الهوية السودانية وامتداد طبيعي لتاريخ عريق يمتد من الممالك النوبية القديمةو كوش ومروي وسنار والفونج، حيث تشكّلت عبر القرون شخصية سودانية مركّبة لا يمكن اختزالها في بعد واحد أو لون واحد.
*العلم الحالي… إرث سياسي أكثر منه تعبيراً عن الهوية السودانية*
العلم المعمول به اليوم لم ينبع من حوار وطني واسع ولا من رؤية استراتيجية للهوية، بل جاء قراراً سياسياً وعاطفياً في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري عام 1970م، في سياق موجة من تبنّي «ألوان الثورة العربية» وربطها بشعارات الوحدة دون تمحيص. ألوانه في جوهرها امتداد للمنظومة الرمزية التي صاغها سايكس ، أي أن جذورها نابعة من التاريخ الاستعماري والثورة العربية المصنوعة من بريطانيا وحلفائها والتي قام بتنفيذها على أرض الواقع عدد من الضباط البرياطنيين مثل (لورانس العرب) وغيره.
من هنا، يصبح السؤال المهم: «هل يعبر هذا العلم حقاً عن السودان بتعدده الكوشي–العربي–الإفريقي؟» سؤالاً مشروعاً، وليس تنكّراً لتاريخ أو مزايدة على وطنية أحد.
*العلم القديم بين الرمزية التاريخية وإشكالية التشابه مع علم الغابون*
العلم الذي رُفع يوم الاستقلال يحمل بلا شك رمزية وطنية خاصة، لأنه وُلد في لحظة ميلاد الدولة الحديثة وارتبط في الوعي الجمعي بصورة «السودان الحر» الخارج من عباءة الاستعمار البريطاني. لكن التطورات اللاحقة أفرزت معضلة جديدة: العلم القديم أصبح اليوم مطابقاً تقريباً لعلم دولة الغابون ولكن معكوس الاتجاه.
هذا التشابه يطرح تحديات عملية ورمزية في آن واحد:
عملياً، من حيث التمييز البصري في المحافل الدولية والرياضية والدبلوماسية.
ورمزياً، من حيث الحاجة إلى علمٍ يحمل خصوصية واضحة للسودان، لا يثير اللبس مع أعلام دول أخرى.
لذلك، فإن العودة للعلم القديم قد تكون خطوة منطقية من حيث استعادة اللحظة التاريخية للاستقلال، لكنها في رأيي تحتاج إلى مراجعة فنية ورمزية بحيث يُطوَّر هذا العلم أو يُعدَّل بطريقة تحافظ على روحه الوطنية، وتتفادى في الوقت نفسه التطابق القائم حالياً مع علم الغابون في صورته المعكوسة.
*بين استعادة الرموز وتحريرها من إرث الاستعمار*
نقاش العلم في هذا التوقيت ليس ترفاً ولا انصرافية، بل هو جزء من معركة أعمق حول الهوية والسيادة. فإذا كان السودان يسعى اليوم لاستعادة دولته وهيبته وسط صراعات داخلية وتدخلات خارجية، فإن استعادة رموزه الأصيلة، مع تحريريها من بصمات سايكس بيكو ومن تصميمات رُسمت في 25 دقيقة في مكتب بلندن، هي خطوة على طريق كتابة سردية جديدة أكثر صدقاً مع الذات.
السودان، بتاريخه الكوشي وعمقه الإفريقي وعروبته الثقافية، يستحق علماً يولد من أرضه ولغاته وذاكرته، لا من رسائل استعمارية محفوظة في الأرشيف البريطاني.
