رصد_ سما الوطن
في بدايات القرن العشرين، وفي حيّ الركابية بمدينة أم درمان، وُلد عام 1912 فتى نحيل القسمات، عميق النظرة، اسمه التجاني بن يوسف بن بشير بن الإمام جزري الكتيابي. جاء إلى الدنيا في بيت تغمره الثقافة الدينية، فسُمّي تيمّناً بصاحب الطريقة التيجانية الإمام أحمد التجاني، كأنما كانت الأقدار تمهّد صلته المبكرة بتجلّيات التصوف التي ستفيض لاحقاً في شعره.
منذ صغره مضى التجاني إلى الخلوة، يحفظ القرآن على يد عمّه الشيخ محمد الكتيابي، ثم التحق بالمعهد العلمي في أم درمان، حيث تلقّى علوم اللغة والفقه والأدب والفلسفة. وهناك بدأ قلمه يتحرّك بين أنداده، ينسج شعراً يسبق عمره، ويكشف عن موهبة ستدهش المشهد الأدبي العربي فيما بعد.
لكن مسيرة الفتى لم تكن مستقيمة؛ إذ جاء يومٌ دار فيه نقاش بينه وبين زملائه حول شعر شوقي وحافظ إبراهيم، فأطلق رأياً أغضب مدير المعهد آنذاك أحمد محمد أبو دقن، فكان القرار بفصله بتهمة الكفر والزندقة. هكذا خرج التجاني من المعهد، واقتيد القدر به إلى محطة لبيع الوقود، ثم إلى مهنة الصحافة، محرراً يكتب في «ملتقى النهرين» و«أم درمان» و«الفجر»، قبل أن يعتكف في منزله يقرأ في الأدب القديم والتصوف والفلسفة، وكأن المرض والحيرة كانا يمهّدان لعمقٍ جديد في تجربته.
ومع مرور الأيام، بدأ داء الصدر ينهش جسده النحيل. تزاحمت عليه الآلام النفسية والجسدية، حتى ظهرت عليه بوادر الوسواس القهري. أما المطابع القديمة التي عمل فيها ساعات طوال بين أبخرتها ورطوبتها، فقد كانت – كما يروي الشاعر عبد المنعم الكتيابي – سبباً مباشراً في إصابته بالدرن الرئوي الذي لم يمهله طويلاً. وفي ظل هذا الألم كتب قصائده التي تجلّت فيها ثنائية الشك واليقين، حتى وصف حاله لصديقه محمود أنيس في «يؤلمني شكي» كأنما يكتب آخر اعترافات الروح.
ورغم أن عمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين، فقد احتفى به النقاد والصحف مبكراً، وكانت مجلة «أبولّو» إحدى المنابر التي لفتت الأنظار إلى موهبته. وكثيراً ما وُضعت تجربته في مقارنة مع تجربة أبي القاسم الشابي، فكلاهما عاش المرحلة نفسها بين الحربين العالميتين، وكلاهما حمل قلق الشباب وتطلعات التحرر، وإن اختلفت نبرة كل منهما بين تفاؤل الشابي وتشاؤم التيجاني.
يرى فالح الحجية أن التجاني «أضاف للتراث السوداني والعربي ديواناً رائعاً أسماه إشراقة… ديواناً لم تزل رائحته الشعرية تعبق في الذاكرة». ويؤكد الباحث عكاشة أحمد فضل أن التجاني كان صادق الرؤية، واسع الخيال، وأن أشعاره التي تناولت الجمال والإنسان والروح «كانت من الكمال والغنى». أما هنري رياض، فيراه شاعراً يتأرجح بين الشك واليقين، وهما الثيمتان اللتان ظلتا تطاردان روحه حتى النهاية.
رحل التجاني يوسف بشير عام 1937، لكن صوته ظل باقياً، مشتعلاً في قصائدٍ مثل «إنشودة الجن» التي غنّاها سيد خليفة لأول مرة:
قــمْ يا طريرَ الشبابِ
غنِّ لنا غنِّ
يا حلوُ يا مستطابِ
إنْشودةَ الجنِّ
فعلى قِصر حياته، ترك التجاني إرثاً جعل النقاد يقولون: لو طال به العمر قليلاً، لكان واحداً من أعظم مجددي الشعر العربي الحديث.
