بسم الله الرحمن الرحيم
أزمة السودان بين الحوار الاستراتيجي الشامل والحوار السياسي
إذا سلمنا بأننا تاريخيا فشلنا في بناء رؤية سودانية جامعة ننطلق منها إلى نهضة الدولة، فعلينا الإنتباه إلى أن الممارسة المنهجية التي تنتج هذه الرؤية لم تحدث قط في تاريخ السودان الحديث بشكل صحيح، ولقد أفلتت منا منذ الاستقلال عدة فرص لإدارة حوار وطني تأسيسي، ولنا أن نسميه حوار إستراتيجيسوداني، ومع كل فرصة أفلتت دفع الشعب ثمنا باهظا ووقتا ضائعا وفرصا مهدرة.
إن الحوار الاستراتيجي أو التأسيسي الذي فشلنا في الوصول إليه يعتبر من حيث الموضوع (حوار شامل) اجتماعي، سياسي،اقتصادي، أمني، معلوماتي، تقني، ومن حيث المشاركة ( حوار جامع ) أي يجمع فئات الشعب، وليس المقصود هنا التيارات والفرق السياسية فقط، فجميع الفرق السياسية والحركات السياسية العسكرية تقع ضمن زاوية واحدة فقط من الحوار الإستراتيجي وهي زاوية الحوار السياسي.
ما لا يتحقق عبر الحوارات السياسية:
▪
إن التأسيس للدولة وصناعة نهضتها ومستقبلها، يتم عبر فكرة وطنية تعبر عن الشعب، لا حزب لا قبيلة، لا جهة، وتحقيق هذا المفهوم يتطلب منهج وآليات محددة. وأهم معيار لجودة الفكرة الوطنية هو تعبيرها عن الوجدان الوطني، وهذا أمر يتطلب الاتصال العميق بالشعب في مستوى الوعي والإدراك وفي مستوى اللاوعي والضمير الشعبي، وهذا لا يتحقق إبدا عبر الحوارات السياسية المحدودة.
▪
الإرادة الوطنية، تنشأ من إرادة الشعب بكل تنوعه، وتتحقق عندما نحدد مصالح وغايات وأهداف ومنظومة قيم وطنية تعبر عن تطلعات الشعب. وهذا لا يتحقق إلا عبر الاتصال بالشعب، فتنشأ الإرادة ( نحن نريد )، وهذا لا يمكن أن يتحقق عبر تنظيمات غير مفوضة من الشعب، وإن أرقى وأعمق درجات الاتصال بالشعب هي التي تتأسس عبر مناهج التحليل الاستراتيجي الشامل، النفسي، الثقافي الاجتماعي، الاقتصادي ….إلخ وما تشمله من أدوات علمية كالمسوحات والدراسات الميدانية، وهذا الأمر خارج اهتمام الحوارات السياسية المشحونة بالأيدلوجيات والتصورات الحزبية والرؤى الجزئية.
▪
الفكرة الوطنية تتضمن ترتيبات استراتيجية للتعامل مع تعقيداتالبيئة الدولية، ونحن في وقت نشهد فيه تطورات في الأوضاع الدولية وتبلور نوعاً من التوازن الدولي ومخاض نظام عالميجديد، نحتاج لرؤية استراتيجية للتعامل مع هذا الواقع، وهو أمر يتوقف على توفر معرفة مبنية على خلفية تحليل استراتيجي شامل وعميق، وهذا لا يتم عبر حوار سياسي وإنما عبر حوار استراتيجي وأدوات استراتيجية.
▪
وثيقة المصالح الوطنية تعد اهم وثيقة تحتاجها الدول بجانب الدستور، باعتبارها تمثل التوجه الرئيسي للدولة والعامل الأكثر أهمية في توجيه السياسة والاستراتيجيات، وقد دفع السودان ثمناً غالياً لغياب هذه الوثيقة لسبعة عقود، وهي تنتج عبر تحليل استراتيجي عميق وليس عبر حوار سياسي
.
▪
من أهم محاور الاستراتيجيات الأجنبية في السودان هو المواردالاستراتيجية والساحل السوداني والفضاء الجوي، الشئ الذي يتطلب إدارة استراتيجية تؤسس لتبادل استراتيجي وربط ذكي للمصالح دولياً، وهو امر يتطلب معرفة مبنية علىمرتكزات استراتيجية ومناهج الجيوبوليتيكس والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وهذا لا يتأتى عبر حوار سياسي وإنما عبر حوار استراتيجي مسنود بعلوم الاستراتيجية الجيوبوليتيكسوالاقتصاد الكلي والسياسة والعلاقات الدولية.
▪
من أهم الترتيبات التي يجب أن تشملها الفكرة الوطنية هي فلسفة وأسس التعامل مع الصراع الاستراتيجي الدولي وأدواته وتكتيكاته الذكية والمتعددة، وهو أمر يتطلب الاحترافية في التخطيط الاستراتيجي والأمن القومي.
▪
التعامل مع البيئة الاستراتيجية ( البيئة المحلية والإقليمية والدولية بتفاعلاتها الاستراتيجية )، يتم عبر استراتيجيات وليس تكتيكات سياسية معزولة عن رؤية استراتيجية، وهذا أمر يتطلب حوار استراتيجي.
▪
الفكرة الوطنية تشمل ترتيبات تحقيق الأمن القومي وامن المستقبل وهذا أمر يحتاج لمستوى رفيع من الاحترافية والمهنية واستدعاء لنظريات الأمن القومي ومفاهيم التنمية وليس حوارسياسي مجرد من مناهج التفكير الاستراتيجي ودراسات المستقبل.
▪
من أهم ترتيبات تحقيق الأمن القومي والسلام المستدام هو القدرة على بلورة الكروت الاستراتيجية للدولة والقدرة على حسن استخدامها، وهذا أمر يتم من خلال استراتيجيات معدة بشكل احترافي وليس حوار سياسي مجرد من المعرفة بعلوم الصراع الاستراتيجي والتنافس الدولي الذي نعيش واحدة من أعلى تجلياته.
▪
الركيزة الأولى لتحقيق النهضة الطموحة والسلام المستدام والتأسيس للحكم الراشد، هو استيفاء استراتيجيات تربوية تعليمية تؤسس لهندسة إنسانية تشمل الهندسة النفسية والثقافية والأخلاقية والاجتماعية والبناء المعرفي والمهارات التي تؤسس للحياة ولوظائف المستقبل، وهذا لا يتأتى عبر حوار سياسي مبني على انطباعات واجتهادات وإنما معرفةمتخصصة، وهذا يستدعي حوار استراتيجي يشارك فيه علماءالتربية والتعليم والنفس والاجتماع والتخطيط الاستراتيجي، وليس مجرد حوار سياسي.
▪
إن زيادة الدخل القومي مع حسن توزيعه وتحقيق الجدوى الإنسانية والاجتماعية والسياسية والأمنية عبر النشاط الاقتصادي وما يرتبط بذلك من تحديات تحقيق التنافسيةالعالمية والحصول على حصص استراتيجية في السوق العالمي و توليد فرص العمل وغير ذلك من قضايا، ظلت ولا زالت مكان تحدي لعلماء الاقتصاد والتخطيط ، وأن بروز نظريات الاقتصاد الحر والاشتراكية ومدرسة نمور آسيا وغيرها، لم يتممن خلال حوارات سياسية محدودة وإنما كانت جزء أساسي من عمل استراتيجي تم بناء على معرفة متخصصة.
▪
معرفة ما يريده الشعب يتم بالتواصل معه المباشر بالورش في الريف والحضر والاستفتاء واستخدام المسوحات الميدانية،وليس عبر حوار سياسي بين جهات معظمها غير مفوض منالشعب.
▪
من أكثر أدوات الصراع الاستراتيجي استخداماً وأكثرها فعالية هو مبدأ استلاب الإرادة الشعبية عبر وسائل متعددة مثل دعم وتمويل وتأسيس أو احتضان التنظيمات المدنية أو تلك التي تلجأ للبندقية، وصناعة القيادات الوطنية وصناعة وتوجيه الرأي العام واستخدام الملفات الحمراء الحساسة، ومن ثم السعي لتأسيس حوارات تضم واجهات مسلوبة الإرادة، وهذا ينافي تماماً مفهوم الفكرة الوطنية التي تسعى في المقام الأول لبلورة وتعزيز الإرادة الشعبية وليس تجاوزها.
▪
إن وجود (رؤية واحدة لشعب بأكمله) هو أعظم مفاهيم القوة وفق رأي الزعيم الصيني ( ماو )، وبالتالي فإن إجراء حوار سياسي بين تنظيمات مدنية معظمها لم يثبت تفويضهبانتخابات، وتنظيمات عسكرية لم تثبت تفويض مناطقها لها،يعني سيادة الضعف، سيادة إرادة النفوذ الدولي والمال السياسي وإرادة البندقية، وليس إرادة الشعب، وهو ليس إلا هروب للأمام ولن ينصلح حال السودان باجترار ذات المناهج القديمة.
▪
إن السودان دولة مترفة بالموارد الطبيعية والجغرافية وأمامه فرص تاريخية، لكنه ظل فقيراً في التفكير الاستراتيجي، وما لم يتحقق هذا البُعد فلا يجب أن نتوقع نتيجة إيجابية.
▪
على مدى سبعة عقود من الزمان عاش السودانيون بين مشهدين متناقضين، الاول يتمثل في ممارسة سياسية سمتها الغالبة التشبث بالمصالح الضيقة التي أقعدت الوطن، مقابل شعب صبر وظل يقدم الكثير من التضحيات، من بذل الأرواح والدماءوفقد المال والممتلكات والنزوح والهجرة والتشرد. في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ السودان، فإن التضحية المطلوبة من الفاعلين السياسيين هي أقل بكثير من تضحيات الشعب السوداني، وهي الإبتعاد عن صراع السلطة خلال الفترة الإنتقالية والسماح لحوار استراتيجي سوداني يؤسس لاستعادة الشعب لسلطته.
رباعية الخروج من الأزمة
حنى لا تتوه الأهداف في سياحة المؤتمرات والأعمال الإرتجاليةوضغوط الخارج، يجب أن تكون ركائز الخروج من الأزمة واضحة، وهي أربع ركائز تنطلق من خلال فترة تأسيسية يقودها محايدون:
حكومة محايدة سياسيا: تتكون من كفاءات وطنية مستقلة، وتعمل على إعادة الإعمار النفسي والإجتماعي والاقتصادي، وفرض القانون وهيبة الدولة، ومنع تحول الفترة الإنتقالية إلى فترة إنتقامية، وإدارة العملية الإنتخابية في نهاية الفترة الإنتقالية، والأهم هو أن تشرف هذه الحكومة على إدارة المؤتمرات التأسيسية التالية:
مؤتمر الحوار الإستراتيجي السوداني: ينتج مسودة الرؤية الوطنية الشاملة، وتغطي السياسة والاقتصاد والإجتماع والأمن والإعلام والتقنية والعلاقات الدولية.
المؤتمر الدستوري : ينتج مسودة الدستور، وتتأسس هذه المسودةعلى الرؤية الوطنية التي أنتجها مؤتمر الحوار الاستراتيجيالسوداني.
مؤتمر للتعافي الإجتماعي : يهدف للوصول إلى خطط وآليات تؤسس لتعافي المجتمع من الآثار المعقدة والعميقة للحروبوالأزمات، وتمنع إنتقال هذه الأثار إلى الاجيال الجديدة، وتهيئ المجتمع للنهضة والإتتاج والإزدهار، فمن من غير المرجح أن تنجح أي عملية إنتخابية أو أي مشروع نهضوي كبير في مناخ اجتماعي محتقن.
انتخاب البرلمان التأسيس : الذي يجيز الرؤية والدستور.
