*”نهدي أسمى آيات الشكر والامتنان للزعيم والمفكر الراحل، الشهيد مكي بلايل، الذي علمنا كيف نحافظ على القيم والمبادئ، وترك لنا إرثاً زاخراً بالرؤى والأفكار العميقة، فذلك هو المنهل الذي نستمد منه القوة والإلهام لنضيء به حاضرنا ونبني به مستقبل أمتنا بكل عزيمة وفخر رافعين شعار ( حرية – سلام وعدالة، والوحدة خيار الشعب ) كمشروع وبرنامج متكامل ويقيننا أن العدالة لنا ولسوانا.”*
ما يبدو دستورياً أو قانونياً قد لا يكون سوى قناع، بينما تكمن القوة الحقيقية فيما يُخفى؛ فغالباً ما اليد الخفية هي التي تضع قواعد اللعبة، وتحدد مصير الدولة والمواطنين، وتصوغ واقع الحكم بعيداً عن نصوص الدستور ومظاهر الشرعية الرسمية.
الرؤية الوطنية الصحيحة حول نظام الحكم وإدارة الدولة يجب أن تنبني على دروس التجارب السياسية وطبيعة وخصائص بلادنا. ومن التجربة السودانية نجد أن النظام الليبرالي البرلماني اقترن غالباً بضعف وعدم استقرار الجهاز التنفيذي، بسبب هشاشة التكوين الحزبي والتشرذم السياسي الذي يقلل من قدرة أي حزب على تحقيق أغلبية ميكانيكية تمكنه من الحكم وإنفاذ برنامجه، ويؤدي ذلك بالضرورة إلى حكومات ائتلافية تخضع للخلافات والمناورات السياسية، مما ينعكس سلباً على الأداء العام، خاصة في مجال التنمية.
وفي المقابل، فإن النجاح النسبي الذي تحقق في ظل الأنظمة الشمولية المتعاقبة، مع كل ما فيها من سوء، يُعزى أساساً إلى الاستقرار النسبي في الجهاز التنفيذي. ولتحقيق التوازن بين الحرية السياسية من جهة، وقوة واستقرار الجهاز التنفيذي كعامل مهم للتنمية من جهة أخرى، فإن الأفضل للسودان هو تبني النظام الرئاسي الدستوري، مع ضرورة وجود جهاز تشريعي قوي مستقل يضبط التوازن، وجهاز قضائي كامل الاستقلالية يحمي الدستور ويضمن حكم القانون.
وفي ما يتعلق بإدارة الدولة، فإن طبيعة بلادنا من اتساع جغرافي وتنوع ثقافي واجتماعي وتعدد سياسي، تقودنا إلى اعتماد النظام الاتحادي بوصفه الصيغة المثلى لتقصير الظل الإداري، واستيعاب التنوع القومي وتوزيع السلطة. وقد كان هذا النظام مطلباً للأقاليم المهمشة، كما عبرت تنظيماتها السياسية المطلبية منذ فترة ما بعد أكتوبر 1964م، مثل: مؤتمر عام البجا، واتحاد جبال النوبة، وجبهة نهضة دارفور.
وقد ظلت القوى التقليدية ترفض النظام الاتحادي وتتوجس منه وتعتبره مقدمة للانفصال، وبالرغم من إقرار الحكم الاتحادي في عهد الإنقاذ، فقد ظلت نزعة الهيمنة المركزية طاغية، وأثرت سلباً على التجربة وأفرغتها من محتواها…، إن النظام الاتحادي الذي نؤمن به هو النظام الذي يمكن الأقاليم والولايات من ممارسة سلطاتها المحددة بالدستور بصورة كاملة، مع حرية انتخاب حكامها، وتوزيع عادل للموارد بما يتناسب مع مسؤوليات الحكم المختلفة على المستويات الاتحادية والإقليمية والولائية والمحلية. وقد أوضحت التجربة أن النظام الاتحادي لا يمكن أن يقوم على الوجه المطلوب إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يحترم الدستور، ويطبق سيادة القانون، ويرعى صلاحيات ومستويات الحكم المختلفة وفق مبدأ الشراكة والتوازن المؤسسي.
وضمن هذا الإطار، فإن القسمة العادلة للسلطة في كل المستويات تعتبر هدفاً أساسياً لإعادة بناء الدولة السودانية.
إن الأزمة ليست أزمة تشكيل حكومات أو تغيير أشخاص، بل أزمة دولة لم تُستكمل أسس بنيتها المؤسسية وقواعد حكمها منذ الاستقلال، وظلت تُدار بمنطق الغلبة السياسية لا بمنطق الدولة الحديثة؛ فالدولة التي لا تتأسس على توزيع عادل للسلطة والثروة، ولا تُدار عبر مؤسسات مستقلة وقواعد حكم واضحة، تظل دولة هشة، قابلة للاختطاف من شبكات النفوذ الخفية، ومعرضة للانقسام والانهيار عند كل أزمة.
ولذلك فإن معركة إعادة النظر في بناء الدولة هي المعركة الحقيقية، وهي أعقد وأعمق من مجرد تغيير الحكومات أو تبدل الوجوه.
فإن إعادة بناء الدولة السودانية تتطلب إعادة هندسة شاملة لمنظومة الحكم، تشمل الإصلاح السياسي والحزبي والخدمة المدنية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية، واستقلال القضاء، وتمكين الحكم المحلي، وإصلاح الاقتصاد الذي كرس الريع والفساد…، فلا معنى للحرية السياسية دون مؤسسات قادرة على حمايتها، ولا قيمة للدستور دون دولة تمتلك القدرة والإرادة لتطبيقه.
والسلطة ليست المناصب الدستورية فحسب، وإنما كل المواقع القيادية في أجهزة الدولة التي تمكن شاغليها من اتخاذ القرارات المؤثرة في الحياة العامة. وقد ظل ميزان السلطة بهذا المفهوم مختلاً بصورة كبيرة طوال العهود الماضية، ومن اللازم وضع معايير موضوعية تحقق عدالة توزيعها بين كافة الأقاليم والشرائح الاجتماعية.
ومن ضروريات استقامة أمر الدولة إرساء الحكم الرشيد المعافى من الفساد والمحسوبية وتحويل معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى حواكير قبلية؛ إذ أصبح الفساد الاقتصادي والإداري ظاهرة عامة، ولا يمكن مكافحته إلا عبر سن التشريعات اللازمة، واتخاذ السياسات والإجراءات الكفيلة بضمان شفافية الأداء والمساءلة والمحاسبة في أجهزة الدولة كافة.
وحين نشير إلى أن السلطة ليست المناصب الدستورية فحسب، فإننا نتحدث عن واقع سوداني ماثل عاش طوال تاريخه انقساماً صارخاً بين النص والحكم، وبين الدولة كما تُكتب والدولة كما تُدار، حيث لا تعكس النصوص الدستورية والمظاهر القانونية بالضرورة مراكز القرار الفعلية، ولا تكشف عن القوى التي تحدد مصائر المواطنين وتكتب واقع الحكم بعيداً عن المكاتب الرسمية والمظاهر الشكلية.
وفي الوقت نفسه ننفي اختزال السلطة في شكلها القانوني أو في مواقعها الرسمية، لننبه إلى الفرق الجوهري بين السلطة بوصفها نصوصاً وهياكل، والسلطة بوصفها ممارسة فعلية وتأثيراً حقيقياً في الواقع.
فالدساتير قد تنظم الحكم شكلياً، لكنها لا تكشف بالضرورة عن بواطن مراكز القرار الحقيقية، ولا تضمن امتلاك القرار أو توجيه مسار الدولة، إذ كثيراً ما تتكون السلطة الفعلية خارج هذه الأطر أو موازية لها، ويظل التفويض الشعبي والشرعية الدستورية هامشياً في أوقات كثيرة.
فالسلطة في جوهرها ليست المنصب أو الموقع الذي يُشغل، بل السلطة هي القدرة على اتخاذ القرارات أو تعطيلها، وفرضها، وتحديد الأولويات العامة.
فقد يتولى شخص منصباً دستورياً رفيعاً، بينما تظل إرادة القرارات الفعلية بيد قوى أخرى تمتلك أدوات التأثير الحاسم، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو رمزية، وحتى خارج الحدود الوطنية أحياناً.
وفي مثل هذه الحالات تتحول المناصب إلى وجاهات وواجهات شكلية تخفي وراءها مراكز قوة أكثر فاعلية، ويغدو المنصب غطاءً شكلياً لدولة تُدار في واقعها من خارج النصوص الدستورية.
ولم تُمارس السلطة في السودان منذ الاستقلال عبر المؤسسات الرسمية وحدها، بل كثيراً ما كانت تُمارس عبر شبكات مصالح راسخة تشكلت من تحالف القوى السياسية وبعض قيادات المؤسسة العسكرية مع البيروقراطية العليا(طبقة المسؤولين الإداريين التنفيذيين والقياديين داخل الدولة)، ورأس المال الطفيلي، والولاءات الجهوية والقبلية، ونخب سياسية انتهازية، وأحياناً قوى خارجية…، هذه الشبكات أثبتت قدرتها على إعادة إنتاج نفسها مهما تبدلت الشعارات أو تغيرت الوجوه، وهو ما يفسر فشل إسقاط الأنظمة مراراً في تحقيق قطيعة حقيقية مع نمط الحكم.
وتظل هذه البنى قادرة على التأقلم والتكيف مع كل الظروف والتغيرات، وفرض نفوذها وتأثيرها حتى مع سقوط الحكومات والأنظمة وتبدل الوجوه، مما يبرز محدودية التغيير حين يظل محصوراً في السطح دون المساس بجوهر منظومة السلطة الحقيقية.
وفي المجتمعات ذات البنية الاجتماعية المركبة، تظهر للسلطة أشكال غير مكتوبة وقد تتفوق أحياناً على السلطة الدستورية نفسها، مثل سلطة الزعامة التقليدية التي تحسم الولاءات، أو الخطاب الديني حين يُوظف سياسياً، أو سلطة السلاح خارج الإطار الوطني، أو سلطة المال حين يشتري النفوذ والقرار، أو الأعراف الاجتماعية الراسخة؛ هذه القوى تمارس نفوذها اليومي على حياة الناس وقراراتهم، وغالباً ما تفرض وقائعها دون الحاجة إلى تفويض قانوني أو سند دستوري، لتصبح جزءاً أصيلاً من معادلة الحكم ومكوناً أساسياً من منظومة السلطة الواقعية.
وتكتسب السلطة معناها الكامل بقدرتها على إنتاج الشرعية أو فرض الامتثال، سواء عبر القبول الاجتماعي أو القدرة على فرض الطاعة وإدارة التوازنات والصراعات. فليس كل ما هو دستوري في السودان يحظى بالشرعية الواقعية، كما أن بعض أشكال النفوذ غير الرسمية قد تكون أكثر حضوراً وتأثيراً في وعي الناس وسلوكهم السياسي وهذا النموذج حاضر ومتجسد في يومنا هذا. ومن ثم، فإن الشرعية لا تُستمد حصراً من النصوص، بل من قدرة السلطة على إدارة الصراعات، واحتواء الأزمات، وتوفير حد أدنى من الاستقرار.
وفي ظل الحرب والانقسام والأزمات الممتدة، يتضح أن السلطة الحقيقية في السودان تتجلى في من يملك إدارة الحرب أو السلام، ومن يتحكم في الموارد الشحيحة، ومن يفرض سلطته على الأرض وينظم حياة المواطنين اليومية؛ هو من يمتلك السلطة الحقيقية، لا من يشغل المكاتب والمناصب الدستورية العليا أو يتصدر المشهد الإعلامي والسياسي دون تأثير فعلي.
إن تفكيك منظومة السلطة الخفية لا يتم فقط عبر النصوص والقوانين، بل عبر وعي وطني يقظ يدرك طبيعة السلطة الحقيقية، ويراقب مراكز القرار، ويمارس ضغطاً دائماً لحماية مسار بناء الدولة، لأن المجتمعات التي لا تحرس الدولة ومؤسساتها بوعي وإدراك للمخاطر، تُختطف الدولة ومؤسساتها في وضح النهار عند بوابة التغيير، وتُدار من خارج إرادتها مرة بعد أخرى.
وعليه، فإن النظر إلى السلطة باعتبارها منظومة متداخلة من القوة والتأثير، لا مجرد مناصب أو هياكل أو نصوص، يشكل مدخلاً أساسياً لفهم تعقيدات نظام الحكم، وإخفاقات الانتقال السياسي، وحدود التغيير الشكلي حين يظل محصوراً في الواجهة دون المساس بجوهر السلطة الفعلي.
إذاً، لن ينصلح الحال ولن يتحقق التغيير والإصلاح والتحول الاستراتيجي الحقيقي، ولن يكتمل الاستقرار أو التنمية في السودان، ما لم تتحول السلطة من شبكة نفوذ خفية إلى مؤسسات وطنية واضحة وراسخة، تطبق الدستور، وتفرض حكم القانون، وتوزع السلطة والموارد بعدالة. فحين تصبح الشرعية حقيقية ويصبح مركز القرار مؤسسياً بالكامل، ينكسر نمط الصراع القديم، ويبدأ السودان رحلة التحول نحو دولة رشيدة قادرة على إدارة توازناتها وتحقيق التغيير الجذري والجوهري.
إن معركة السودان القادمة ليست معركة مناصب أو صراع عروش ومواقع، بل هي معركة لوضع الأسس والقواعد السليمة لبناء الدولة، وصراع حول إختيار نموذج الحكم ومستقبل الأمة؛ وهي معركة بين دولة المؤسسات ودولة الشبكات واليد الخفية، وبين حكم القانون وحكم النفوذ، وبين مركز قرار وطني شفاف ومراكز ظل تتحكم في المصير بعيداً عن الإرادة العامة.
ولن تستقيم هذه البلاد إلا حين ينتقل القرار من دوائر الغموض إلى مؤسسات واضحة، خاضعة للدستور والمساءلة.
إن بناء دولة حديثة عادلة ليس مجرد فكرة أو مشروع، بل ضرورة وجودية لضمان وحدة البلاد واستقرارها وتنميتها؛ فإما دولة القانون والمؤسسات، وإما استمرار دولة الصراعات المعقدة والأزمات المزمنة والتفكك والتنازع.
إن الشعب السوداني يستحق دولة قوية ذات مؤسسات وطنية راكزة وراسخة تليق بتاريخه وتضحياته، دولة لا تُدار من الظل، ولا تُختطف من شبكات المصالح، ولا تُحكم بالغلبة، بل تُحكم بالدستور والقانون والعدالة والمشاركة الوطنية الواعية. وحين ننجح في ذلك، نكون قد وضعنا الأساس المتين لوطن مستقر وموحد قادر على إدارة تنوعه وصناعة مستقبله بإرادة أبنائه وبناته.
#حرية، سلام وعدالة والوحدة خيار الشعب
