يبدو أن التنسيق المسبق بين المملكة العربية السعودية والحكومة السودانية بشأن إدراج ملف الحرب في السودان ضمن أجندة زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن كان واضحاً منذ اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ولي العهد طلب منه استخدام نفوذ الولايات المتحدة لوقف ما يجري في السودان فوراً.
وقد جاء الرد السوداني سريعاً؛ إذ أصدر مجلس السيادة الانتقالي بياناً رحّب فيه بجهود السعودية والولايات المتحدة لإحلال السلام العادل والمنصف، بينما كتب رئيس مجلس السيادة في منشور على منصة “إكس”: شكراً سمو الأمير محمد بن سلمان، شكراً الرئيس دونالد ترامب.
هذه العبارة — السلام العادل والمنصف — لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعبير مباشر عن رؤية الجيش السوداني لمسار الحل، وهي الرؤية التي بدا أن ولي العهد السعودي يتبنّاها أو على الأقل ينقلها بوضوح. فالحكومة السودانية كانت قد رفضت في وقت سابق جهود “الرباعية”، اعتراضاً على دور الإمارات التي تتهمها بدعم ميليشيا آل دقلو الإجرامية، الأمر الذي عرقل أي مسار تفاوضي لم يحظَ بقبول الجيش.
ورغم أن السعودية قدّمت نفسها في الأسابيع الأولى للحرب عبر منبر جدة كوسيط محايد بين الجيش والميليشيا المتمردة، فإن تطورات الميدان والتحولات الإقليمية دفعت الرياض تدريجياً إلى الاقتراب من رؤية الجيش، باعتباره صمام الأمان للدولة السودانية.
وقد رسّخت هذا المسار سلسلة زيارات رئيس مجلس السيادة للسعودية، ولا سيما زيارته إليها باعتبارها أول محطة خارجية بعد استعادة الخرطوم من قوات الدعم السريع، في إشارة واضحة إلى طبيعة التفاهمات الجديدة بين البلدين.
وفي واشنطن، لم يقتصر دور بن سلمان على نقل موقف الخرطوم السياسي، بل قدّم مقاربة اقتصادية تتناسب مع طريقة تفكير عقلية ترامب الاستثمارية، باعتبار أن السودان بلد غني بالموارد الطبيعية — الزراعة، المعادن، والثروة الحيوانية — وأن استقراره السياسي كفيل بتحويله إلى قوة اقتصادية صاعدة.
وهي رسالة تنسجم مع قناعة متزايدة بأن ثروات السودان الهائلة هي أحد دوافع اشتداد الصراع وتنافس القوى الدولية والإقليمية عليه.
أما الولايات المتحدة، فإن أي تحرك جاد منها للتأثير على مجريات الحرب لن يتجه نحو الضغط على ميليشيا آل دقلو نفسها، لكونها مجرد أداة بيد داعميها الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات المتهمة بتغذية الصراع ونهب الموارد وتهريبها عبر دول مجاورة تُستخدم لهذا الغرض. وبالتالي، فإن واشنطن — لو تدخلت — ستتوجه مباشرة نحو الطرف القادر فعلياً على تعطيل أو تحريك الدعم اللوجستي والسياسي للميليشيا المتمردة.
في النهاية، يبدو أن دخول بن سلمان على خط الأزمة في هذا التوقيت — وطلبه من ترامب إعطاء ملف السودان أولوية — يحمل دلالات عميقة على مستوى التحولات الإقليمية. فهذه الخطوة قد تدفع الجهود الدولية نحو مسار جديد، يتقاطع بوضوح مع رؤية الجيش السوداني لإحلال السلام العادل والمنصف، ويعيد صياغة موازين القوى في واحدة من أعقد أزمات المنطقة.
