التقاطع الإقليمي
يشهد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حالة غير مسبوقة من التداخلات والصراعات، حيث لم تعد النزاعات المحلية محصورة في حدودها الجغرافية، بل امتدت تأثيراتها لتشمل تحالفات دولية وإقليمية تتشابك أهدافها ومصالحها الأمنية والاقتصادية. من الحرب المستعصية في اليمن التي أفرزت تحالفات معقدة، إلى الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، تتضح صورة عصر الصراعات متعددة الأبعاد، التي تُدار من منظّورات تتجاوز الحدود التقليدية للدولة.
خلال الأسابيع الأخيرة، انتشر على نطاق واسع تصور مفاده أن المنطقة تقف على أعتاب انفجار إقليمي كبير، تقوده مواجهة محتملة بين السعودية والإمارات على خلفية تطورات اليمن، التدخل العسكري السعودي المباشر، وتراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، وغياب رئيسه عيدروس الزبيدي. وضمن هذا الفهم السائد، يذهب كثيرون إلى أن أي تصعيد حاد بين الرياض وأبوظبي قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ويضع السعودية في موقع القيادة الإقليمية، ويفتح الباب أمام تحالف جديد يضم السعودية ومصر وتركيا وقطر وإريتريا، بما يخدم – في نهاية المطاف – إنهاء الحرب في السودان لصالح الجيش السوداني
ففي هذا السياق، يراهن قطاع معتبر من السياسيين وقيادات الرأي على أن هذا التوتر السعودي–الإماراتي قد يتحول إلى أداة ضغط مباشرة على أبوظبي لوقف دعمها لقوات الدعم السريع، باعتبار أن هذا الدعم يمثل أحد العوامل الأساسية في إطالة أمد الحرب. ويُبنى هذا الرهان على فرضية أن أي اشتباك أو تصعيد بين القوتين الخليجيتين سيُجبر الإمارات على إعادة حساباتها في السودان، بما يخلق فرصة حقيقية لإنهاء الصراع. غير أن هذه القراءة، رغم انتشارها، تصطدم بواقع إقليمي مختلف. فالتنافس بين السعودية والإمارات، رغم حدّته الظاهرة، لا يُدار عبر مواجهات عسكرية مباشرة، بل عبر إدارة الخلافات السياسية ضمن أطر تضبطها وتمنع انزلاقها إلى صدام مفتوح. وذلك، بما يسمح لكل طرف بالحفاظ على مصالحه ونفوذه دون تحمُّل كلفة مواجهة مباشرة.
السياق الإقليمي للصراعات المتداخلة
في اليمن، دخلت قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات وتركيا وإيران في متاهات نفوذ وصراع مصالح، مما جعل الصراع أكثر تعقيداً ويمتد لفترة أطول من المتوقع، ومع كل تصعيد يتبدّل المشهد، وتتوسّع رقعة الاهتمام الدولي. على هذا المنوال، السودان لم يكن استثناءاً؛ فالحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع التي امتدت أكثر من عامين، ليست فقط نزاعًا داخلياً، بل أصبحت امتداداً لتقاطعات إقليمية ودولية تحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة.
وبالرغم من استهداف السعودية العسكري لميناء المكلا ودخول القوات الداعمة للشرعية إلى عدن، إلاّ أنّها لم تكن تهدف إلى تحقيق نصر عسكري شامل، بل لحماية الحدود، وتحجيم التهديدات، والخروج من حرب استنزاف طويلة. التهدئة مع الحوثيين، واستخدامهم كورقة تفاوضية أكثر من كونهم هدفاً للحسم، يعكس هذا التحول. في المقابل، الإمارات ركزت على بسط نفوذها عبر الموانئ والمناطق الساحلية ودعم فاعليين محليين، دون اصطدام مباشر، وهو نمطٌ يتكرر في السودان عبر دعم قوات الدعم السريع كأداة نفوذ أكثر من كونه خياراً عسكرياً أو أيديولوجياً. الإمارات غالباً ما تبرر تدخلاتها بشعار محاربة الإسلاميين، إلا أن الوقائع تكشف أن هذا الخطاب يفقد كثيراً من مصداقيته. فهي انسحبت من القتال ضد الحوثيين، وهناك شكوك حول وجود تواصل غير مباشر معهم عبر سلطنة عُمان، كما أنها طلبت سابقاً من نظام عمر البشير المشاركة بقوات ضمن التحالف في اليمن. هذا يؤكد أن المصلحة الاستراتيجية وبسط النفوذ غير المباشر، لا الأيديولوجيا، هي المحرك الأساسي لهذه السياسات.
في المقابل، تنظر مصر إلى السودان من زاوية مختلفة تماماً. فبالنسبة للقاهرة، يشكل السودان عمقاً استراتيجياً مباشراً، وأي تفكك للدولة أو سيطرة فاعل مسلح خارج إطار الدولة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري. من هنا جاءت تصريحات الرئاسة في القاهرة عن “خطوط حمراء” في السودان، التي لا تعني حرباً أو نفوذاً توسعياً، بل دعم بقاء الدولة السودانية موحدة، والحفاظ على الجيش كمؤسسة وطنية مركزية.
إقليمياً، تلعب تركيا دوراً واضحاً ضمن التحالف المرتقب مع السعودية ومصر وقطر وإريتريا، في محاولة لموازنة النفوذ الإماراتي. تنظر تركيا ألى السودان بوصفه مساحة نفوذ محتملة عبر أدوات اقتصادية وسياسية واستثمارية استراتيجية في المنطقة، دون السعي إلى صدام مباشر مع أي طرف خليجي. هذا النهج يعكس سعي تركيا إلى ترسيخ حضور مُستدام في الإقليم قائم على التوازن لا المواجهات، ضمن شبكة التحالفات المرنة، بما يعزز استقرار المنطقة ويحمي مصالحها.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الصومال بوصفه إحدى ساحات الاشتباك غير المباشر في شرق إفريقيا والبحر الأحمر. فقد زادت تعقيدات المشهد بعد اعتراف إسرائيل بدولة أرض الصومال، في خطوة عمّقت التنافس الإقليمي بين مصر وتركيا والسعودية، من جهة، وإثيوبيا والإمارات، من جهة أخرى. وعلى خلاف أبوظبي، التي نسجت علاقات وثيقة مع أرض الصومال، تدعم معظم الأطراف الإقليمية الفاعلة، بما فيها مصر وتركيا والسعودية، الدولة الصومالية الفيدرالية باعتبارها الحكومة الشرعية. وفي هذا السياق، جاء قرار مقديشو إلغاء أي اتفاق أمني مع الإمارات ليعكس حجم التوتر المتصاعد، ويؤكد أن الصومال بات جزءاً لا يتجزأ من شبكة الصراعات المتداخلة التي تمتد من اليمن إلى السودان.
إلى جانب ذلك، تتداخل أيضاً أدوار إيران وعُمان وإسرائيل وإثيوبيا. تستخدم إيران الحوثيين كورقة تفاوض إقليمية، وتلعب عُمان دور الوسيط، بينما تركز إسرائيل على أمن البحر الأحمر، وتمنع نشوء تهديد دائم للملاحة. أما إثيوبيا، بدعم إماراتي وإسرائيلي، لا تسعى فقط إلى تأمين منفذ بحري، بل تتحرك ضمن صراع أوسع يتقاطع مع خلافاتها الحادة مع مصر وأرتريا، خاصة حول سد النهضة وترتيبات الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي. هذا البعد يجعل الدور الإثيوبي أكثر تعقيداً، ويمنحه تأثيراً غبر مباشر على السودان بوصفه ساحة تماس بين هذه التوازنات المتشابكة. في الوقت نفسه، تعمل روسيا والصين على حماية مصالحهما الاستراتيجية في البحر الأحمر والسودان، دون الانخراط في صراعات مباشرة، ما يدعم منطق إدارة الأزمات بدل حسمها.
وفي السياق ذاته، يبرز دور باكستان بوصفه دوراً توازنياً محسوباً، لا يسعى إلى التصعيد أو الحسم العسكري الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه لا ينفصل عن توسيع النفوذ العسكري والسياسي. فباكستان، بحكم علاقاتها الدفاعية الوثيقة مع السعودية، واستعدادها لإبرام صفقات تعاون عسكري مع السودان، تعمل على تعزيز حضورها كفاعل أمني موثوق دون الدفع نحو انفجار الصراعات. هذا النهج يعكس سعيًا للجمع بين ضبط إيقاع التنافس الإقليمي ومنع الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، وبين ترسيخ موقع باكستان كلاعب مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي، لا كمحرّك لحسم عسكري شامل.
وقبل الانتقال إلى الدور الليبي، لا بد من التوقف عند تشاد، باعتبارها أحد أقدم الفاعلين الإقليميين تأثيراً في الصراع، والتي تتأثر مباشرة بالحرب في السودان بحكم الجوار والامتدادات القبلية والحدودية. تشاد تتحرك بحذر شديد، فهي من جهة تخشى انتقال الفوضى إلى أراضيها، ومن جهة أخرى تجد نفسها جزءاً من شبكة توازنات إقليمية تشمل ليبيا، والإمارات، وفرنسا. هذا الموقع يجعلها تميل إلى سياسة احتواء الصراع لا حسمه، مع غضّ الطرف عن بعض التحركات عبر الحدود، بما يساهم – ولو بشكل غير مباشر – في إطالة أمد الأزمة السودانية ضمن منطق إدارة الصراع الإقليمي لا إنهائه.
لا يمكن إغفال دور جنوب السودان، الذي يشارك السودان حدوداً طويلة وتاريخاً من التداخل القبلي والسياسي. النزاعات الداخلية هناك وحركة اللاجئين، بالإضافة إلى العلاقة التاريخية للجيش الشعبي، تؤثر بشكل مباشر على مناطق مثل جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق المتاخمة للحدود الإثيوبية، ما يجعل من جنوب السودان جزءاً من المعادلة الإقليمية ويزيد الحاجة لإدارة النفوذ الداخلي والخارجي بحذر لتجنب تفاقم الأزمات العابرة للحدود.
كما لا يمكن تجاهل التجربة الليبية ودور اللواء خليفة حفتر، التي قدمت نموذجاً واضحاً لتدخلات تقوم على دعم فاعلين محليين، عسكريين أم سياسيين، لبسط النفوذ دون مواجهة مباشرة، خاصة من جانب الإمارات. نجاح هذا النموذج وفشله في آن واحد يُفرض حسابات دقيقة على مصر وتركيا وروسيا عند مقاربة الملف السوداني، ويزيد من تعقيد المشهد، مما يؤكد أن استنساخ السيناريوهات لا يضمن نتائج حاسمة.
تداعيات النفوذ المتداخل على السودان
في ظل هذه التفاعلات، يصبح السودان نقطة تقاطع للمصالح الإقليمية والدولية. لا طرف يريد انتصاراً حاسماً للطرف الآخر، ولا أحد مستعد لتحمل كلفة مثل هذا الحسم. وهكذا، تتحول الحرب في السودان إلى أزمة تُدار ضمن حدود معينة، لا باعتبارها صراعاً يجب إنهاؤه أو بالدفع نحو حل جذري سريع، بل كأزمة ينبغي احتواؤها حيث يُركز كل لاعب على حماية مصالحه وتحقيق أهدافه الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.
من هنا، تبرز معضلة أساسية أمام السودانيين: كيف يمكن التعامل مع هذا الكم من التدخلات دون الوقوع في فخ التعويل على الخارج؟ تشير المعطيات إلى أن المعالجة الواقعية لا تكون بانتظار صراع إقليمي أو حسم عسكري كاسح، بل عبر مسار مختلف يقوم على: إدارة الخلافات السياسية الداخلية بما يحفظ استقرار الدولة، مخاطبة القوى الإقليمية بلغة المصالح، رفض تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، بناء صوت مدني واقعي ومنظم، وإدراك أن الاعتماد على الخارج لإضعاف الخصوم الداخليين لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب.
خاتمة
ما يجري في اليمن، وما ينعكس منه على السودان، يوضح حقيقة أساسية: الصراعات في المنطقة لم تعد تُحسم بالحرب وحدها. اليوم، الدول المؤثرة لا تبحث عن انتصارات عسكرية سريعة، بل عن إدارة نفوذها بأقل كلفة ممكنة، حتى لو طال أمد الأزمات. لذلك، فإن انتظار انفجار صراعات إقليمية أو تغيّر مفاجئ في مواقف الدول الكبرى لإنهاء حرب السودان هو رهان غير واقعي. فالسياسة الإقليمية الآن تقوم على التوصل إلى تسويات وضبط الخلافات، لا على المواجهة المباشرة. فالقوى الكبرى تفضّل بقاء الأزمات تحت السيطرة بدل المخاطرة بحروب مفتوحة، بينما تجد الدول الضعيفة والهشة نفسها عالقة بين الحرب والسلام، كما هو حال السودان. وحتى التحالفات العسكرية وصفقات السلاح لا تعني بالعرف السائد حسماً قريباً، بل غالباً ما تُستخدم لإدارة الصراع وليس لإنهائه.
في هذا الواقع، يقع العبء الأكبر على السودانيين أنفسهم. فمستقبل البلاد لن يُصنع في عواصم أخرى، ولا عبر رهانات خارجية، بل عبر الحوار الشامل بلا إقصاء والتوصل إلى رؤية مشتركة واتفاق وطني واسع يضع مصلحة الدولة فوق الخلافات، ويقلل من فرص التدخل الخارجي، ويفتح طريقاً واقعياً لوقف الحرب. دون ذلك، سيظل السودان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، بدل أن يكون دولة قادرة على تقرير مصيرها بنفسها.
kameir@yahoo.com
تورونتو، 13 يناير 2026
