ما يزال البعض يتقن فن “الاصطياد في الماء العكر”، كلما لاحت في الأفق بوادر دولة المؤسسات والقانون. يتربصون بأي سقطة أخلاقية أو انفلات فردي، ليحولوها بقدرة قادر من “سلوك شخصي منحرف” إلى “نهج سياسي” ينسبونه زوراً وبهتاناً للحكم المدني. الهدف واضح: تلطيخ سمعة المدنية وتصويرها وكأنها جاءت لتفتح أبواب التحلل الأخلاقي، تمهيداً لشرعنة الانقضاض على الدولة وهدم طموحات الشعب.
إن ما نتابعه اليوم من ضجيج حول شخصيات مثل المدعوة “كاشا النيل”، وما تبثه من محتوى فج يتجاوز كل الأعراف والتقاليد، هو نموذج صارخ لهذا الخلط المتعمد. وبذات الشفافية، وفي إطار المكاشفة، يجب أن نؤكد أن احترامنا لـ عقيدة المؤسسة العسكرية وتاريخها العريق لا يمنعنا من الإشارة بوضوح إلى وجود “عاهات” طفيلية تحاول اليوم التمسح بزيها والتدثر بسلطتها.
وهنا نضع التساؤل المُرّ فوق طاولة الواقع: كيف ننتظر ممن يحمل همّ الشعب وقيمه ومبادئه أن يسمح بوجود قيادات توفر الغطاء لمثل هذه النماذج الساقطة؟ بل كيف يستقيم الظل والعود أعوج، حين يتحدث البعض عن “حماية المورثات” بينما القيادة الحالية هي نفسها من أذاقت الشعب الويلات؟ إن من دمر المدن، ونزح بالأسر، وقتل وسحل وهجر ملايين السودانيين، لا يمكن أن يكون مؤتمناً على أخلاق الشباب أو قيم المجتمع. إن سماح هؤلاء بظهور نماذج مثل “كاشا النيل” وتوفير الحماية الضمنية لها، ما هو إلا جزء من سيناريو الفوضى الذي يعيشون عليه؛ فمن استباح دماء الشعب وحياته، لن يعجز عن استباحة قيمه وأخلاقه لخدمة أجندة البقاء في الكرسي.
إن هذه التجاوزات لا تعبر عن عقيدة الجندي السوداني بقدر ما هي محاولات انتهازية من أفراد وقيادات أدمنت العبث بمصير الوطن. لذا، فإن المدنية بريئة من فوضى الأخلاق، والعسكرية براء من هؤلاء المنتفعين الذين جعلوا من الوطن ساحة للقتل، ومن الميديا ساحة للانحلال.
اخر المداد…
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في “كاشا” كفرد، بل في الأثر التدميري لغياب الرقابة وتفكك الدولة. لذا، وجب علينا تحصين أنفسنا احموا أبناءكم من وباء “تيك توك” وسوء استخدام الميديا؛ فالشارع اليوم بات مليئاً بالمهددات، من “الأيس” إلى الانحراف القيمي.
خاووا أبناءكم واملأوا فراغهم العاطفي والروحي بالصلوات والقرآن والمحبة، حتى لا يقعوا فريسة لعاهات الميديا أو تجار المخدرات.
الوعي السياسي لا تتركوا “أبواق الردة” تخدعكم بشعارات الأخلاق؛ فمن يقتل الشعب لا يهمه أن يراه عفيفاً، ومن هجرنا من بيوتنا لا يهمه أن تظل بيوتنا عامرة بالقيم.
احفظوا شبابكم، فإن الحياة أصبحت مخيفة، والوطن لا يبنيه إلا جيل واعي، مُحصن ضد تزييف الوعي وانحدار القيم.
tglawey81@gmail.com
