في رواية ” مثل صيف لن يتكرر” للروائي المغربي محمد برادة يقول احد أعمدة الرواية مهدي بن بركة ( لسنا أنبياء يوحى إلينا بالرأي الصواب، نحن نناضل و نجتهد و من الطبيعي أن يكون هناك أختلاف و لكن القضية و اسئلة المستقبل هي التي تحدد عملنا) و معروف أن الأحداث الجارية يوميا في أية بلد يعاني من أزمات و حرب، تتغير فيها الأجندات وفقا لممارسة المناورة و التكتيك، و التي يستخدمها كل جانب، و لكن يجب أن لا يؤثر هذا التكتيك في الهدف الإستراتيجي.. لذلك أن مشاوير السياسة التي تفرضها متغيرات الأحداث، تقطع بالعقل و ضخ كمية من ” الأفكار” و لا تقطع مشيا على الأقدام، أو رمي الأخر بكمية من القذف الفظي، و كما درج البعض ممارسته، اعتقادا منهم أنه يؤكد صلابة الموقف..
لا أريد أن أتوقف كثيرا في مجريات الحرب الجارية، لكن الذي يهم فيها هي تغيير الأجندات، منذ اليوم الأول في الحرب 15 إبريل 2023م قال حميدتي أنه يريد رأس البرهان حيا أو ميتا.. باعتبار أن الهدف موت البرهان أو القبض عليه لكي تتغير الأجندة، لم يحدث ذلك تغيرت الأجندة القضاء على سلطة الكيزان و الفلول.. فكل مرة تنجح فيها الميليشيا في تمددها تطرح أجندة جديدة.. و عندما بدأت الميليشيا تفقد سطوتها و قدرتها على طرح الخيارات للأخرين بدأت تتراجع بحثا عن معادلة جديدة تجعلها مستقبلا لا تخرج من الساحة السياسية و العسكرية، و هذه مساومة، و معلوم أن المساومة تعني القبول بالتنازلات عن الأجندات السابقة.. الآن الحرب دخلت مناطق حواضن الميليشيا في كردفان و منها إلي دارفور.. الأمر الذي يجعل الجيش وحده هو القوة التي تطرح الأجندة لوقف الحرب..
من خلال المتابعة؛ نجد أن قيادة الجيش عندما تركز الحديث على دعوة الميليشيا بأن تلتزم بالقرار الذي وقعته في منبر جدة، و الداعي للخروج من بيوت المواطنين و الأعيان، و تسلم الميليشيا سلاحها.. أن الجيش حقيقة يريد أن يكون المخرج من الحرب محسوبا على الميليشيا، و ليس محسوبا على الحواضن الاجتماعية.. ممثلا في القيادات الأهلية للقبائل و النظار و العمد الذين دعموا الميليشيا.. لأن قيادة الجيش لا تريد أن تكسر هيبة القبائل و التابعين لها، باعتبارهم جزء من النسيج الاجتماعي في الدولة، و يجب الحفاظ عليهم ككتلة أجتماعية لها دورها في رسم ملامح مستقبل البلاد.. هذا الموقف يجسد الموقف الوطني للمؤسسة.. أصبح هناك بند واحد في الأجندة، و تساقطت البقية بحكم التحكم في سير العملية العسكرية..
إذا نظرنا للجانب الأخر من المشهد العسكري السياسي؛ نجد أن الدولة الداعمة للميليشيا أصبحت هي نفسها تصارع في عدة محاور مختلفة، و لابد أن تتشتت مجهوداتها، و تغير حتى في تكتيكاتها، فالتغييرات التي تحدث في المنطقة بهدف تحجيم الدور الإماراتي، لابد أن يحدث تغييرا في الأجندة عندها، و أيضا سوف يضعف دور القوى المتمحورة حولها، رغم أن مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط و إفريقيا مسعد بوليس، سيظل يكون خادما لأجندة الإمارات، و يعتبر مهمته إدارة أعمال للكسب، و ليس العمل من أجل إيجاد حل لوقف الحرب، الإمارات التي خسرت معركتها في اليمن و سوف تخسرها مستقبلا في أرض الصومال، فهي لذلك تجاهد بهدف أن تحدث تغييرا في حرب السودان، حتى تجعل الميليشيا باقية لكي تكون جزء من أي حوار مستقبلي.. و قد تأكد ذلك باللقاءات التي أجرتها الإمارات مع بعض القادة الأفارقة و المفوضية الأفريقية، لكنها لا تستطيع أن تحدث تغييرا في الأجندة التي حددتها قيادة الجيش في السودان، رغم المناورات التي تقوم بها بعض دول الجوار…
أن دونالد ترامب صحيح يضع اعتبارا للصراع الإستراتيجي في العديد من مناطق في العالم، و في القضية السودانية دوره ” دور وسيط ” و ليس سعيه من أجل كسب صراعا إستراتيجيا في المنطقة يؤمن المصالح الأمريكية.. أمريكا قد حددت أن تكون مصالحها الإستراتيجية، الإمارات دولة وظيفية تلعب لصالح الأجندة الإسرائيلية.. و الذي قبل أن يكون دوره وظيفيا يكون قد حدد دوره الذي لا يستطيع أن يتعداه، أما محاولات الجري وراء مسعد بوليس و حضوره للمنطقة وفقا لطلب الإمارات مساعدتها للوقوف مرة أخرى بعد الكسر الذي حدث لها في اليمن، و خروجها من منطقة البحر الأحمر و مداخله تعد أكبر صفعة لها و الذين يقفون خلفها..
و رغم أن الجيش لا يريد أن يكسر هيبة العديد من القبائل في دارفور و كردفان التي استجابت لضغوط الميليشيا لكي تستنفر مجتمعاتها لحمل السلاح، إلا أنه يحاول أن يجعلها تفيق من غفوتها و تحفظ شبابها، و الاستنزاف الذي يمارسه الجيش في صفوف الميليشيا تؤكد أن الإستراتيجية بدأ تعطي نتائج طيبة في قبول أعداد كبيرة في تسليم نفسها للجيش، و هي سوف تزيد كل يوم، رغم محاولات البعض في تحريض الميليشيا أن تواصل حربها حتى تفتح بابا للتفاوض.. الأمر الذي تجاوزته الأحداث تماما… و الملاحظ أن الميليشيا وحدها هي التي تصنع الأحداث في الجانب الأخر، و ليس السياسيين الذين أصبحوا، فراجة.. نسـأل الله حسن البصيرة
