تشهد المنطقة في هذه الأيام تسارعًا لافتًا في تبدل الخطط العسكرية وتحوّل التحالفات الإقليمية بصورة تعكس مرحلة جديدة من التوترات غير المسبوقة. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برز التحرك الأخير لدولة الشر عبر فتح معسكرات جديدة في إقليم بني شنقول على مقربة مباشرة من حدود جنوب النيل الأزرق، وهي خطوة تحمل في طياتها رسائل تهديد واضحة للسودان، وتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام حماية معلنة للسد أم بداية فعلية لحرب من نوع آخر… حرب المياه؟
إن إقامة هذه المعسكرات بالقرب من الحدود الجنوبية للنيل الأزرق لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سياقها السياسي والعسكري. فالهدف يتجاوز فكرة تعزيز الحماية المحلية، ليكشف عن محاولة متعمدة لخلق نقاط ضغط إستراتيجية على السودان، واستنزاف الحكومة والجيش عبر جبهات جديدة تُفتح في توقيت حساس. هذا التحرك يندرج ضمن خطة أوسع تهدف إلى محاصرة السودان من الأطراف، عبر أدوات سياسية وعسكرية وإعلامية تعمل بتناغم لخدمة أجندة موحدة تسعى لفرض أمر واقع على البلاد.
هذه الخطوات لا تُقرأ بمعزل عن وجود تنسيق إقليمي واضح بين بعض الدول المتحالفة مع دولة الشر. فالمشهد العام يعكس وجود خطة تطويق بطيئة تستهدف القرار السوداني ومركز الثقل العسكري للدولة. الضغوط المتزايدة ليست تحركات عسكرية مباشرة فحسب، بل رسائل سياسية علنية ومبطنة هدفها إرهاق الجيش ودفعه إلى تقديم تنازلات تتعلق بالأمن المائي والسيادة الحدودية. إنها سياسة نفسية قبل أن تكون سياسة عسكرية.
لكن ما تغفله هذه الجهات أن الجيش السوداني لم يكن يومًا مجرد قوة نظامية تقليدية، بل مؤسسة عميقة الجذور، تحمل إرثًا عسكريًا متقدمًا في المنطقة بأكملها. والأهم أن الشعب السوداني بات اليوم جزءًا من معادلة القوة الوطنية. فالحرب الأخيرة خلقت حالة اصطفاف شعبي نادرة، حيث أصبح المجتمع كله في خندق واحد خلف القوات المسلحة. وهذا وحده يمثل عنصر الردع الأكبر في وجه أي محاولة لابتزاز الدولة أو الضغط عليها من حدودها.
لقد راهنت دول العدوان على إضعاف الجبهة الداخلية وبعثرة القرار الوطني، لكن الواقع جاء معاكسًا تمامًا. فالوعي الشعبي ارتفع، والجيش استعاد زمام المبادرة، وتكشفت كثير من المخططات قبل أن تتحول إلى واقع. وما يحدث اليوم من محاولات فتح معسكرات حدودية وتحريك مليشيات مدعومة إقليميًا، ما هو إلا فصل جديد من محاولات لن تنجح في تغيير ميزان القوى.
إن السودان، رغم التحديات، يدخل مرحلة أثبتت فيها الوقائع أن أي تهديد خارجي لن يكون كافيًا لكسر إرادة شعبه ولا إضعاف جيشه. وكل محاولة لمحاصرة الدولة ستتحول إلى حافز إضافي لتعزيز التماسك الوطني والوعي الإستراتيجي. فالبلاد التي توحدت في أشد لحظات الأزمة لن تفقد بوصلتها الآن، ولن تسمح لأي قوة كانت بإملاء شروطها تحت ضغط السلاح أو المياه.
وبينما تتسارع الأحداث، يبقى الثابت الوحيد أن السودان لن يُهزم من الخارج مهما اشتدت المؤامرات، وأن كل جبهة تُفتح ستكون شاهدًا جديدًا على صلابة هذا الشعب وقوة جيشه، وعلى فشل كل من ظن أن بإمكانه تطويع هذه البلاد عبر الضغط والتهديد.
