رصد_ سما الوطن
بلغ عدد الأحزاب السياسية المسجلة رسمياً في السودان 109 أحزاب، في مشهد يعكس تنوعاً سياسياً واسعاً، لكنه يثير تساؤلات حول مدى تمثيل هذه التنظيمات لقواعد شعبية حقيقية، أو ما إذا كانت مجرد كيانات افتراضية بلا نشاط فعلي أو تأثير ملموس في الشارع.
وتنقسم الأحزاب السودانية إلى ثلاث فئات رئيسية: تنظيمات تاريخية، تأسست قبل الاستقلال، مثل حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي نشأ عن اندماج بين حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي في 1967. وفئة ثانية تضم أحزاباً عقائدية، مثل تيارات الحركة الإسلامية، والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، مع تعدد النسخ الناتجة عن الانقسامات الداخلية. وفئة ثالثة من الأحزاب الحديثة التي تحاول صناعة حضور عبر لافتات وشعارات، لكنها تظل هشة، وتسعى للتحالفات لتعزيز موقعها.
وتعود نشأة هذه الأحزاب إلى سياقات اجتماعية وسياسية متعددة، واستمرت في العمل وفق النظام الإنجليزي الموروث من المستعمر، الذي لم يكن يشترط تسجيل الأحزاب، حتى صدور قانون الأحزاب السياسية، عام 2007، الذي أنشأ مجلساً مختصاً بتسجيلها والإشراف عليها.
وأوضح وزير العدل ورئيس مجلس شؤون الأحزاب السابق، محمد أحمد سالم، وفق قناة الجزيرة أن القانون الأول اشترط 100 عضو مؤسس، ورسوماً قدرها 100 جنيه، ثم عُدل إلى 500 عضو، ما سهل تسجيل عشرات التنظيمات، ووصل العدد إلى 100 حزب في 2009، مشيراً إلى أن نظام الرئيس السابق عمر البشير كان يشجع التسجيل، لتجنب اتهامه باحتكار الحياة السياسية.
ويقترح سالم تعديلاً قانونياً، يشترط ألا يقل عدد المؤسسين عن 2000 عضو، من مختلف الولايات، لضمان تمثيل وطني، مع رفع عتبة دخول البرلمان، وشطب الأحزاب التي تفشل في ذلك، لضمان وجود أحزاب حقيقية، ذات قاعدة شعبية.
أما مساعد رئيس حزب الأمة، محمد الأنصاري، في تصريح لقناة الجزيرة فيرى أن الحرب عطلت النشاط السياسي، وأصبح السلاح هو الذي يفرض كلمته، مع مصادرة الرأي المخالف، واتهام المخالفين بالولاء لأحد طرفي النزاع، سواء الجيش أو الدعم السريع، ما دفع كثيراً من الصحفيين والسياسيين والناشطين لدفع ثمن مواقفهم بالاعتقال أو الملاحقة.
غير أن الأنصاري يشير إلى أن تأثير القوى السياسية لم يختفِ، بل انتقل إلى الساحة الإقليمية والدولية، لأن الجميع يدرك أن الحرب لا يمكن أن تنتهي بانتصار عسكري، بل بتسوية سياسية، وهي قضايا لا يملكها العسكريون، بل تقع في صميم عمل القوى السياسية.
ويرى المحلل السياسي فيصل عبد الكريم، أن النشاط السياسي تراجع قبل اندلاع الحرب، التي فرضت حالة الطوارئ، ومنعت التجمعات، مما دفع بعض التنظيمات للعمل عبر واجهات مجتمع مدني، كما أن السلطات وجهت اتهامات لقيادات معارضة في الخارج، مما عطل نشاط تحالف “قوى الحرية والتغيير” في الداخل، ويرى أن الزمن تجاوز النشاط التقليدي، ويتطلب مواكبة العصر بالنشاط الرقمي، والتفاعل مع هموم الناس.
وتوصف العديد من التنظيمات بـ”أحزاب الشنطة”، لكونها كيانات صغيرة، بلا مقار أو قواعد انتخابية، وعنوانها رئيس الحزب، الذي يحمل أوراقه وأختامه في حقيبته.
ونظم مجلس شؤون الأحزاب، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ورشة لإصلاح قانون الأحزاب، في بورتسودان، وأقرت رئيسة المجلس، ليلى عثمان إبراهيم، الحاجة إلى غربلة القوى السياسية، ومعرفة الأحزاب الموجودة فعلياً، مشيرة إلى أن 31 حزباً فقط، من أصل 109، قام بتحديث بياناته، فيما لا يوجد تواصل مع 75 حزباً.
ويتفق باحثون وأساتذة علوم سياسية، على أن العدد الكبير من التنظيمات، مؤشر على مرض، يرتبط بانشطار الكيانات إلى كيانات أصغر، وتحول المشهد من تعددية شكلية، إلى تشرذم مفتوح، مع ضعف ارتباط الأحزاب بالمواطنين، بسبب الأوضاع السياسية، وعدم الاستقرار.
ويرى الأستاذ الجامعي والباحث السياسي، إبراهيم الصديق، في تصريح لقناة الجزيرة أن كثرة الأحزاب، مفسدة في الحياة السياسية، ومؤشر على غياب التوافق على القضايا الوطنية، ما أتاح وجود أكثر من 100 حزب، ومثلها من مؤسسات المجتمع المدني، معتبراً أن هذا الواقع يشير إلى أن السياسة تحولت من شأن عام إلى أجندة شخصية، وأن كثرة الأحزاب تؤدي إلى صعوبة الوصول إلى إجماع وطني، واستحالة تشكيل حكومة متوافق عليها، مع تحذير من نشوء أحزاب مناطقية، تمثل وسيلة ضغط وابتزاز.
وينص قانون الأحزاب، على حظر التمويل الأجنبي، والالتزام بالديمقراطية الداخلية، ونبذ العنف، مع إمكانية حل أو تجميد الحزب، بقرار من المحكمة الدستورية، بناءً على توصية من المجلس، الذي يرفع تقاريره إلى البرلمان، غير أن السودان لا يملك برلماناً، منذ عزل الرئيس عمر البشير، في أبريل/نيسان 2019.
