رصد_ سما الوطن
حين عاد المفكر والسياسي الراحل الدكتور منصور خالد إلى السودان في العام 2005، بعد غياب طويل دفعه ثمنًا لخِياراته المبدئية ورؤيته لـ”سودان جديد”، أورد ملاحظة بالغة الأهمية حول الشخصية السودانية. انتبه حينها إلى التدهور الذي ضرب مظهرها الخارجي، والتفكك البادي في سلوكياتها، وحالة اللامبالاة والذهول التي أبدلت تماسكًا قديمًا عهد فيه الناس، ليجدهم يدورون في دوامات قاسية من اليأس واللامعنى.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على تلك الملاحظة، وكثير من الدماء والمياه العكرة التي جرت تحت الجسر، يبدو أن السودانيين لم يكونوا يحدقون جيدًا في مراياهم. لقد تدهورت الأوضاع إلى حد فاق أشد التوقعات قتامة؛ تبددت الأحلام، ضاعت الأمنيات، وصار الهم المعيشي اليومي الضاغط، مصحوبًا بأصوات المدافع وأوجاع النزوح، هو المحرك الأوحد للشخصية السودانية. تبدلت الوجوه أكثر، وكُسيت غمًا فوق غم، ووهنًا يعتصر الملامح، وكأن نبوءة منصور خالد لم تنعكس بكامل تجلياتها إلا في مرآة هذا الزمن الراهن.
لقد توقف منصور خالد في ذلك الوقت عند تفاصيل تبدو الآن ترفاً
الوجوه هي المفاتيح؛ دروب وسكك تقودنا إلى دواخل البشر وتفك مغاليقها. هي فوق ذلك مركز الثقل العاطفي، وموقع البكاء، والضحك، والألم، وصفحة الانكسار العارية التي لا يمكن إخفاؤها مهما حاولنا. وبالتأمل في الملامح التي تحيط بنا اليوم، تتجلى تكونات المحنة وانكسارات الفقر والتشرد وهي ترتسم بشفافية مفرطة على الوجوه. الأعين باتت محاطة بهالات الأرق، وتسبح في مياهها احتقانات وجع لا يزول. في الجلد المتغضن، والألم المقاوم، والأمل الشحيح، تتحقق اليوم “أيقونة” المحنة الكاملة التي تعصف بالإنسان السوداني في زمن التراجع والتشظي المريع، بينما يبدو المشهد كلوحة ماركيزية بائسة؛ حيث “لا أحد يكاتب الجنرال”.
لقد توقف منصور خالد في ذلك الوقت عند تفاصيل تبدو الآن ترفاً؛ كعدم الاهتمام بصحة الأسنان، أو غياب الأناقة المعهودة، والمضي بـ”قمصان مكرفسة”. واليوم، في ظل واقع بلغت فيه رداءة الأشياء درجتها الصفرية، ما الذي كان يمكن للمفكر الراحل أن يضيفه؟
يكفي اليوم أن تتأمل وجهك في المرآة، أو تفحص وجه جارك في حافلة اللجوء أو مراكز الإيواء، لتدرك بلا لغة، كيف يرتسم وجه الحياة وهو يذبل ويتلاشى.
