الخرطوم – تحقيق_ سما الوطن
طوابير طويلة من السيارات أمام محطات الخدمة، ساعات من الانتظار، ومحركات تتوقف بسبب نفاد الوقود.. مشهد بات مألوفاً في شوارع العاصمة والعديد من مدن السودان، في ظل أزمة خانقة للبنزين والجازولين.
ورغم أن الحرب، واضطرابات الإمدادات، وتقلبات سعر الدولار، والتضارب في القرارات المتعلقة باستيراد وتوزيع الوقود، تعد من الأسباب المعلنة للأزمة، إلا أن تساؤلات عديدة تطرح نفسها حول ما يجري خلف الكواليس: هل تصل كل كميات الوقود المخصصة للمواطنين إلى محطات الخدمة؟ ومن المستفيد من الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء؟
تحقيقنا يتتبع بالأرقام مسار الوقود، ويرصد مؤشرات على تنامي نشاط السوق السوداء، وشبهات تسرب كميات من المواد البترولية خارج القنوات الرسمية.
أرقام تكشف حجم الاستهلاك
وفقاً لأرقام منسوبة إلى مصادر بوزارة النفط ووزارة البنية التحتية بولاية الخرطوم، كان معدل الاستهلاك الطبيعي للعاصمة قبل الحرب يقدر بنحو 1600 طن من البنزين يومياً، إلى جانب نحو 900 متر مكعب من الجازولين.
لكن الأزمة الحالية دفعت الاستهلاك إلى مستويات غير معتادة. ففي أحد أيام أكتوبر 2026، بلغ استهلاك ولاية الخرطوم نحو 3000 طن من البنزين في يوم واحد، وهو ارتفاع كبير مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
ويفسر مراقبون هذه الزيادة بعوامل متعددة، من بينها التخزين بدافع الخوف من انقطاع الإمدادات، إلى جانب نشاط السوق السوداء وعمليات التهريب.
وفي هذا السياق، أقر والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة بأن وارد الوقود لا يزال أقل من الاحتياج الفعلي للولاية، في وقت تمثل فيه الخرطوم أحد أكبر مراكز استهلاك الوقود في السودان، بسبب العدد الكبير للمركبات وحركة النقل بين الولايات والاعتماد المتزايد على المولدات الكهربائية.
الوقود.. تجارة رابحة في السوق السوداء
الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء فتح الباب أمام أرباح ضخمة لتجار الأزمات.
فخلال الأسبوع الأخير من أكتوبر، بلغ سعر جالون البنزين الرسمي في ولاية الخرطوم نحو 37 ألف جنيه، بينما تراوح سعره في السوق السوداء بين 60 و62 ألف جنيه.
أما الجازولين، فبلغ سعره الرسمي نحو 45 ألف جنيه للجالون، في حين وصل في السوق السوداء إلى ما بين 65 و70 ألف جنيه.
هذه الفجوة السعرية تثير سؤالاً جوهرياً: أين تذهب كميات الوقود التي لا تصل إلى المستهلك عبر القنوات الرسمية؟
مصدر وصف بالموثوق كشف عن تسرب كميات من الوقود إلى مناطق التعدين الأهلي، حيث تباع بأسعار أعلى، مشيراً إلى أن تقديرات مختصين تشير إلى احتمال تسرب ما بين 25 و35 في المائة من البنزين المباع يومياً في ولاية الخرطوم إلى السوق السوداء.
وبحسب هذه التقديرات، فإن مئات الأطنان من الوقود قد تجد طريقها يومياً خارج شبكة التوزيع الرسمية، لتتحول الأزمة التي يعاني منها المواطن إلى مصدر أرباح ضخمة لشبكات المضاربة والتهريب.
«حلب» الناقلات.. أين يختفي الوقود؟
أخطر ما ورد في المعلومات التي حصل عليها التحقيق يتعلق بما يعرف في أوساط تجارة الوقود بظاهرة «حلب الناقلات».
وتشير مصادر إلى أن بعض ناقلات الوقود القادمة من بورتسودان إلى الخرطوم والولايات قد لا تصل بحمولتها كاملة إلى وجهتها، مع وجود شبهات بتسرب كميات من الوقود وبيعها في السوق السوداء أثناء عمليات النقل.
هذه المعلومات، إن ثبتت، تضع سلسلة نقل وتوزيع الوقود أمام تساؤلات ملحة حول إجراءات الرقابة والتتبع: هل توجد آليات دقيقة لمراجعة الكميات عند التحميل والتفريغ؟ وهل يتم رصد حركة الناقلات وضمان وصول حمولتها كاملة إلى الجهات المستهدفة؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة مع حديث مصادر عن تسرب جزء من الوقود المستورد إلى الأسواق غير الرسمية، ما يستدعي تحقيقاً رقابياً شاملاً لتحديد حجم الظاهرة ومصادرها.
قرار رسمي.. والبحث عن منافذ التهريب
في مواجهة تفاقم الأزمة، اتخذت حكومة ولاية الخرطوم إجراءات للحد من التخزين والمضاربة، من بينها منع تعبئة الوقود في الجركانات من محطات الخدمة.
وكان والي الخرطوم قد أشار إلى وجود ظواهر سالبة داخل بعض محطات الوقود، معتبراً أن معدلات الاستهلاك المعلنة غير طبيعية.
لكن مراقبين يرون أن منع تعبئة الجركانات، رغم أهميته، قد لا يكون كافياً وحده لمعالجة أزمة معقدة تتداخل فيها عمليات التخزين والتهريب والمضاربة، ما لم يصاحبه تشديد للرقابة على كامل سلسلة الإمداد، بدءاً من وصول الوقود إلى الموانئ والمستودعات، مروراً بالنقل، وانتهاءً بمحطات الخدمة.
المواطن.. عين الرقابة الأولى
لا تقف مسؤولية مواجهة السوق السوداء عند حدود الأجهزة الأمنية والرقابية وحدها، فالمواطن يمثل أيضاً خط الدفاع الأول في مواجهة أي ممارسات غير قانونية.
ويؤكد مختصون أن الإبلاغ عن حالات التهريب والتخزين غير المشروع والتلاعب في توزيع الوقود يمكن أن يسهم في تضييق الخناق على شبكات المضاربة.
وبينما ينتظر آلاف المواطنين ساعات طويلة أمام محطات الخدمة للحصول على بضعة جالونات من الوقود، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكمن الأزمة فقط في نقص الإمدادات، أم أن جزءاً من الوقود المتاح يختفي في الطريق إلى المستهلك؟
سؤال يحتاج إلى إجابات واضحة، ورقابة صارمة، وتحقيقات شفافة تكشف للرأي العام حقيقة ما يجري في سوق الوقود، وتحدد المسؤولية عن كل لتر لا يصل إلى مستحقه.
ففي أزمة الوقود، لا يبدو أن الخاسر الوحيد هو المواطن الذي ينتظر في الطابور.. بل إن اقتصاداً كاملاً يدفع ثمن كل جالون يتسرب بعيداً عن محطات الخدمة.
