حينما تخرج “الرعاية” من أبواب المؤسسات التي أُنشئت خصيصاً لحمايتها، ويتحول “الملاذ الآمن” إلى ثقب أسود يبتلع الأطفال، فنحن لا نتحدث عن تقصير إداري، بل نتحدث عن “جريمة دولة” مكتملة الأركان. قضية الطفل منتصر صالح (6 سنوات) في بورتسودان ليست مجرد بلاغ فقدان، بل هي فضيحة أخلاقية وقانونية تزلزل أركان وزارة الداخلية وجهاز الشرطة.
طفل يُعثر عليه، يُسلم لقسم الثورة، ثم يُنقل رسمياً إلى “وحدة حماية الأسرة والطفل”.. ومن داخل “الحصن الحصين” يختفي! كيف؟ وبأي منطق؟ هل سقطت هيبة الدولة في بورتسودان لدرجة أن طفلاً يخرج من قسم شرطة متخصص دون أن يلحظه أحد؟
الأمر لم يتوقف عند العجز الفني، بل وصل لقمة الانحطاط القيمي حينما وُجهت للأم المكلومة عبارات هي أقرب للسكاكين: “إنتي ما حافظتي عليه، عايزانا نحنا نحافظ عليه؟”. يا لها من وقاحة مهنية! الأم التي تفتتت كبدها بحثاً عن ضناها تُرمى بتهمة الإهمال ممن “أضاعوه” فعلياً بقوة القانون!
بموجب القانون.. أنتم مدانون!
يا سادة، إن قانون الطفل السوداني لسنة 2010 ليس حبراً على ورق، بل هو سيف مسلط على رقاب المهملين، وبإسقاط نصوصه على “كارثة منتصر”، نجد الآتي:
المادة (5): التي تُلزم الدولة بتوفير الرعاية البديلة عبر مؤسساتها المختصة وفق أقصى معايير السلامة. أين “الرعاية” يا شرطة بورتسودان ومنتصر يتسرب من بين أيديكم كالرمل؟
المادة (42): التي تفرض التزامات صارمة على مؤسسات الرعاية. الإخفاق في تأمين الطفل داخل الوحدة هو خرق صريح لمسؤوليتكم القانونية تجاه دمج الطفل وحمايته.
المادة (75): أنتم يا من في القسم “عرّضتم الطفل للخطر” بإهمالكم. ترك الطفل دون رقابة داخل الوحدة حتى خرج وضاع هو “فعل إهمال” مكتمل الأركان أدى لأذى نفسي ومعنوي جسيم للأسرة وللطفل المجهول المصير.
المادة (80): وهنا مربط الفرس، فالقانون يقرر السجن والغرامة لكل من يتولى رعاية طفل (وأنتم هنا بصفتكم الوظيفية رعاة) وأهمل في واجباته. إن رفضكم مراجعة كاميرات المراقبة وتوبيخكم للأم هو محاولة يائسة للتغطية على “جناية” إهمال تستوجب المحاكمة.
رسالة عاجلة وحازمة
إلى السيد وزير الداخلية، ومدير عام الشرطة، ومدير شرطة البحر الأحمر:
إن ما حدث في وحدة حماية الأسرة والطفل ببورتسودان هو “ردة مهنية” تسيء لتاريخ الجهاز. كيف يُرفض طلب الأسرة بمراجعة الكاميرات؟ هل هناك ما تخفونه؟ إن صمتكم عن إهانة الأم وتبرير ضياع الطفل هو “تواطؤ” مع الإهمال. نحن لا نطالب بتحقيق روتيني، بل بإقالة فورية ومحاسبة علنية لكل من تسبب في فقدان “منتصر” للمرة الثانية من داخل مأمنه المفترض.
إلى السيد وكيل النيابة الأعلى بنيابة حماية الأسرة والطفل (المحامي العام للأطفال):
إننا نضع هذا المقال وهذه الوقائع “بلاغاً مفتوحاً” أمام سيادتكم. أنتم، بنص القانون، “المسؤول الأول” عن حماية هؤلاء الصغار من تغول المؤسسات وإهمالها. إن تقاعس الشرطة عن مراجعة الكاميرات وتهربهم من المسؤولية يقع ضمن اختصاصكم الرقابي والجنائي.
نطالبكم بممارسة سلطاتكم في:
فتح دعوى جنائية فورية ضد القوة المسؤولة بموجب المواد (75) و(80) من قانون 2010.
التحفظ على تسجيلات الكاميرات فوراً قبل مسحها أو التلاعب بها.
استدعاء طاقم الوردية للتحقيق في واقعة “الإساءة للأم”، والتي تمثل انتهاكاً لكرامة الأسرة المنصوص عليها في مقدمة القانون.
لا تسمحوا للشرطة أن تكون “خصماً وحكماً” في قضية ضاع فيها طفل من داخل مكاتبهم.
مداد اخير …
للضابط الذي نهر الأم: إن كانت “حماية” طفل واحد تفوق قدراتكم، فاخلعوا هذه الرتب، فالحماية شرف، والإهمال خيانة للقسم.
أين منتصر صالح؟ بورتسودان تنتظر الإجابة.. والسودان لن يغفر.
tglawey81@gmail.com
