عزمت الكتلة الديمقراطية على عقد اجتماعها التنظيمي في ظرف استثنائي تمر به البلاد في لحظة فارقة من تاريخ السودان حيث تتقاطع التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية وتتسع تطلعات الشعب نحو مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والاستقرار والشراكة الحقيقية.
ويأتي هذا الاجتماع في وقت قدّم فيه شباب الوطن خيرة أبنائه شهداء للعزة والكرامة وسطروا بدمائهم الطاهرة معاني التضحية والفداء دفاعًا عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد. ومن هنا فإن أي عمل سياسي لا يستوعب حجم هذه التضحيات ولا يترجمها إلى مشروع وطني جامع، يظل عملاً ناقصًا لا يواكب متطلبات المرحلة.
وفي مشهد يختلف عن كثير من التجارب السياسية السودانية السابقة اجتمع داخل الكتلة أهل الفكر والرؤية والداعمون للمؤسسة العسكرية والقوى المؤمنة بضرورة استعادة الدولة على ميثاق للوحدة الداخلية والشروع في بناء مؤسسية تنظيمية حديثة تتجاوز حالة التشرذم والانقسام التي أضعفت الحياة السياسية لسنوات طويلة.
ويبرز تميز هذه التجربة في أنها تضم أكثر من تسعة عشر تنظيمًا من خلفيات متعددة اجتمعوا على قاسم مشترك يتمثل في الحفاظ على وحدة السودان ودعم القوات المسلحة في معركة الكرامة والإيمان بضرورة الانتقال من حالة الصراع إلى مشروع الدولة.
إن هذا التنوع الداخلي لا يمثل عبئًا كما يظن البعض بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن توظيفه. فهو يجمع مكونات تمتد من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب والوسط ويضم أطراف سلام جوبا والقوى السياسية والإدارة الأهلية والطاقات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني. وهذه التركيبة تمنح الكتلة فرصة نادرة لتقديم نموذج سياسي يعكس حقيقة السودان بكل تنوعه الاجتماعي والثقافي والجغرافي.
لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح أن أزمة معظم التنظيمات السياسية في السودان لم تكن يومًا في غياب الجماهير أو ضعف الشعارات وإنما في الصراع حول القيادة وتوزيع المقاعد وتغليب المصالح الذاتية على القضايا الوطنية الكبرى. فكم من تحالف وُلد قويًا ثم انهار بسبب نزاعات المواقع والنفوذ، وكم من مشروع وطني تعثر لأن الذات تقدمت على الوطن.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للكتلة الديمقراطية لا يكمن فقط في عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات بل في قدرتها على إدارة خلافاتها الداخلية بمؤسسية وعدالة وشفافية ووضع معايير واضحة للتمثيل والقيادة تقوم على الكفاءة والوزن الوطني لا على المحاصصة الضيقة. فإذا نجحت في ذلك فإنها ستكون قد تجاوزت العقبة التي أسقطت كثيرًا من التجارب قبلها وفتحت لنفسها باب المستقبل السياسي الواسع.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب من الكتلة وضوحًا أكبر في مواقفها تجاه قضايا ما بعد الحرب وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة وتحقيق السلام الاجتماعي ومعالجة جذور الأزمة السودانية لا الاكتفاء بالمواقف العامة أو الخطابات المرحلية. فالشعب اليوم يريد مشروعًا عمليًا لا شعارات ويريد حلولًا لا اصطفافات.
وأرى أن الكتلة الديمقراطية إذا أحسنت قراءة اللحظة التاريخية وقدمت برنامجًا وطنيًا جامعًا فإنها قادرة على أن تصبح الوعاء السياسي الأوسع للقوى الوطنية المؤمنة بحسم التمرد عسكريًا وبناء الاستقرار سياسيًا والانطلاق نحو دولة القانون والتنمية والعدالة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات بل إلى منصة وطنية تجمع ولا تفرق تبني ولا تهدم وتقدّم مصلحة الوطن على كل المصالح.
نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.
