الخرطوم: سارة إبراهيم
في وقت تتزايد فيه الدعوات لبناء دولة تبنى على جيش وطن موحد، وممارسة سياسية مدنية، تأتي خطوة حركة العدل والمساواة بضم جبهة نسور الشرق إلى الحركة، يُعد تطوراً سياسياً وعسكرياً يعكس اتجاه متنامي، نحو توحيد القوى المسلحة والحركات السياسية تحت مظلات أكثر اتساعاً. ويطرح هذا الاندماج تساؤلات عديد حول أهدافه الحقيقية ومخاطره ومدى قدرته على تعزيز التنسيق الوطني ودعم استقرار الدولة، فضلاً عن دوره في تحويل التباينات بين الفصائل إلى شراكات منظمة تسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري خلال المرحلة المقبلة، فهل تنجح الحركات في التحول المدني وترك السلاح؟.
وفي وقت أعلنت فيه الحركة بانضمام جبهة نسور الشرق إلى صفوفها، في خطوة وصفتها بأنها تُكرّس هويتها القومية وتدعم وحدة القوى الوطنية. ويُعزز هذا الاندماج التنسيق السياسي والعسكري تحت قيادة القوات المسلحة، محوّلاً التباين السياسي إلى فعل وطني منضبط يصون استقرار الدولة.
ضرورة حتمية
ويرى المحلل السياسي الرشيد محمد إبراهيم، إن السودان الآن يعيش وضع استثنائي ووضع حرب، وفي الحروب يكون هناك وضع تدخل ودعم خارجي وغزو، دائما كل قوى المجتمع تهب له، لذلك نجد هذه المظاهر، حركات الكفاح المسلح هي حركات نشأت بموجب إتفاق سلام جوبا وهذا وضعها القانوني والدستوري، ولكن الاتفاق في حد ذاته الحرب أثرت عليه واوجدت بيئة أمنية جديدة جعلت الحركات تعمل بصورة أوسع وهذا من آثار الحروب، ولذلك الدمج والتنظيم هو ضرورة حتمية تقوم بها القوات المسلحة لأن عدم وجود ضوابط وإشراف من القوات المسلحة يؤدي إلى انتشار السلاح والتفلتات والتجاوزات وأهم شي بالنسبة للجيش هي الضبط والربط، ويرى أن الاندماج بين الحركات هو مؤشر إيجابي ويحمل رسالة بدعم المشروع الوطني بالجبهة الداخلية، الآن التيار الوطني مقابل التيار الخارجي يجعل من عملية إدارة هذه المجموعات المسلحة من قبل القوات المسلحة والدولة عملية سهلة وممكنة، وزاد الرشيد أنه عقب انتهاء الحرب الدمج سيشمل كل هذه القوات والمستنفرين حتى من داخل هذه الحركات والمقاومة الشعبية هم ليسوا راغبين في القتال، لكن بعد النهاية سيظل هناك جزء بسيط جدا محتاج لمعالجات والدولة عازمة وماضية وصرح رئيس هيئة الأركان أكثر من مرة حول ضرورة الدمج والربط، ليس لحركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية ولكن حتى الفصائل الموجودة في دارفور بعد التحرير، وكما هو معروف فإن مسألة السلاح المتفلت جعلت القتال القبلي ممكناً، واتسع مستوى الجريمة، هذه قضية من قضايا ما بعد انتهاء الحرب وقضية أساسية حتى لا تتحول المجموعات المسلحة إلى مجموعات تهدد الأمن والاستقرار.
ارتباك المشهد
بينما ذهب عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي كمال كرار، إن هذا الوضع يدل على ارتباك المشهد العسكري في داخل الحرب، فبدلا عن الاستفادة من دروس تمدد المليشيات وتقويتها، الأمر الذي أشعل الحرب، و تتواصل نفس السياسة بالمزيد من صناعة المليشيات، خارج الجيش النظامي، ونسور الشرق لم يكن أحد ليعرفها لولا خبر اندماجها في حركة مسلحة أخرى غير نظامية أو بالاحرى هي مليشيا قبلية – على حد قوله، وعليه فبدلا من تفكيك المليشيات، يتم الاندماج فيما بين مليشيا وأخرى من أجل أهداف سياسية بحتة، وكما يقال (كل واحد يبحث عن الكوم الكبير )، ولم لا وحركة العدل نالت نصيبا وافراً من المناصب المهمة وبالتالي يمثل هذا دافعا لمجموعات مسلحة للانخراط فيها، وبالتالي تتوسع الحركة أفقيا ورأسيا، وهذا يؤدي لخلق جيوش موازية، وربما لحروب قادمة، المشهد أيضا يوضح أن كل مجموعة تفرض الأمر الواقع بفوهة البندقية في غياب الدولة وتغييبها.
ذهب رئيس قوى الوفاق الوطني أحمد الدفينة، إلى أن الشعب السوداني بعد الحرب الحالية، ليس لديه حمل أن يكون هناك جهات مسلحة، وحاملة للسلاح خلاف الجيش، الموضوع أرهق الدولة كثير جدا ويفترض أن يحقق ذلك وحدة الجيوش في جيش واحد جيش قومي، وجهة واحدة من حقها تستخدم السلاح هي الجيش السوداني، وتتصرف في السلاح واستخدامه ومن حقه الدفاع عن الدولة السودانية وعن الشعب السوداني، هذه المسألة لا بد أن يدركها كل قادة الحركات المسلحة، وكل قادة الدولة وحتى قادة الجيش الآن، بمعنى أنه لا بد أن تكتمل عملية ال (DDR) الدمج والتسريح في الجيش وجمع السلاح، أو تتم عملية جمع السلاح والتسريح فقط للحركات المسلحة، واحد من الخطوتين لا بد أن تطبق، ولازم أن تتم بعد انتهاء الحرب مباشرة ولو وجدت إمكانية أن تتم ترتيباتها قبل نهاية الحرب، والحرب المتبقية يقودها فقط الجيش، ولا تكون هناك كتائب مساندة والمسميات العديدة الموجودة يفترض أن تزال تماما ويكون هناك جيش واحد للدولة السودانية وهي نقطة مهمة جدا، ومسألة حركة العدل والمساواة وما تقوم به من محاولات دمج بين جبهة نسور الشرق أعتقد أنه تمدد عسكري وليس تمدد سياسي فان تنضم قيادات سياسية من شرق السودان أو أحزاب وكيانات إدارات أهلية أو طرق صوفية هذه بديهيات سياسية معروفة، تؤدي إلى تطور سياسي ولكن مسألة وجود لحركات دارفور في شرق السودان وبهذه الصورة أمر غير مطمئن إطلاقا للشعب السوداني خاصة بعد الحرب الموجودة الآن.
وزاد الدفينة، يفترض أن هناك وقفة واضحة من الدولة السودانية، ومن الأجهزة الأمنية في اتجاه تمدد الحركات المسلحة سواء كان في الشمال أو في الوسط أو شرق السودان أو في أي منطقة بعبدا عن مناطقهم الطبيعية، هذه الحركات المسلحة هي حركات عسكرية جودها فقط في دارفور وإذا يفترض أن تلتزم بوجودها أما إذا أرادت أن تتحرك سياسيا وتتمدد تمدد سياسي فهو أمر متاح لأي حزب سياسي وأعتقد أنه عقب نهاية الحرب بمجرد أن يتكون جيش واحد تتحول مسميات الحركات من حركات إلى أحزاب سياسية، إذا أردنا أن نبني دولة سودانية حديثة وسليمة خالية من اي بوددار عنف مجدد في المستقبل يفترض أن يتم نزع السلاح من كل الجهات التي تحمل سلاح بخلاف الجيش.
بعد قبلي
و يقول العميد م/ إبراهيم عقيل مادبو في البدء لا بد أن نشير إلى أن جبهة نسور الشرق تُعتبر قوة مسلحة غير نظامية ولها قيادة تراتبية وتتمتع بغطاء أهلي بالتبعية لناظر عموم الهدندوة محمد الأمين ترك، وهذا يؤكد وجود البعد القبلي/المناطقي، وبهذا التوصيف فـ”نسور الشرق” ليست مجرد فصيل مسلح، بل هي الذراع العسكري للتيار البجاوي/ترك.، بالنسبة لإندماج هذه القوة في حركة العدل والمساواة جناح جبريل، فهذه الخطوة أكبر من مجرد “مقاتلين انضموا لحركة ما”، فالإندماج هنا يشبه الإنضمام وليس له علاقة بمعنى ومصطلح الدمج والتسريح DDR والذي هو ركيزة أساسية في استراتيجيات بناء السلام وحفظ الأمن بعد النزاعات، وعادة ما يُعرف ضمن برنامج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج”.
تحت مظلة JEM
عملية دمج نسور الشرق إلى حركة العدل والمساواة لها ثلاثة أبعاد، بعد عسكري زيتمثل في كسب قوات العدل والمساواة قوة جديدة لها معرفة ودراية بتضاريس الشرق وساحل البحر الأحمر وكسلا وحتى الحدود مع دولة إرتيريا، وبالنسبة ل”نسور الشرق” فقد كسبت شرعية وغطاء من حركة وطنية كبيرة لديها وزير ووزن في حكومة السودان، وهذا يصب في ماعون “توحيد البندقية” العملي، بمعنى أن سلاح البجا أصبح تحت مظلة JEM والجيش، بدل من أن يكون فصيل منفصل.
رسالة للدولة
زاد مادبو، هناك بعد سياسي، فالناظر محمد الأمين ترك منذ 2021م كان يطالب بـ”حكم ذاتي للشرق” و”إسقاط المسار”، والان دخل جزء من قواته رسمياً مع السلطة القائمة في السودان عبر JEM، في هذا البعد السياسي رسالة من ترك تقول “نحن مع الدولة ومع الجيش، لكن بسلاحنا وشروطنا”، إعتقاداً أن هذا يقوي من موقف الحكومة في الشرق أمام أي محاولة لمليشيا الدعم السريع المتمردة وحلفائها السياسيين من صمود وتأسيس أو أي جهة ثانية لفتح جبهة بالشرق.
أمان نسبي
الى جانب البعد الممجتمعي، مشيرا إلى أن دخول زعيم أهلي كبير مثل ترك بقواته مع JEM، فهذا يقلل إحتمال الإقتتال الأهلي في الشرق عبر رسالة واضحة للشباب البجاوي: “سلاحكم محمي ومقبول، ولا حوجة لتكوين تكتلات أخرى أو نشوء وعمل أو فصيل جديد”، فالسياسة هنا تلحق بالواقع المجتمعي، ونتيجة ذلك أن الجيش سيضمن ظهره في الشرق، وترك سضمن إن جماعته سيكون لديهم مقعد في أي ترتيبات قادمة، وهذا سيجعل المواطن في بورتسودان/كسلا قد ضمن أمان نسبي أكتر.
توحيد البندقية
وأعتبر ابرهيم أن خلاصة اندماج “نسور الشرق هو تحالف بين (سلاح + قبيلة + حركة مسلحة كبيرة)، وهذا النموذج من الممكن أن يتكرر في دارفور وكردفان إذا أردنا أن نقلل أو نسيطر على السلاح خارج الجيش. وبذلك تكون الرسالة الأساسية من هذا الاندماج هي توحيد البندقية المقاتلة في معركة الكرامة وتقليل فرص وجود السلاح خارج الجيش والدولة، فالقوات الساندة للجيش عندما تتوحد وتندمج فهذا ترجمة للواقع وتطبيق لمشروع “جيش واحد” و”تفكيك المليشيات”. فأي فصيل ينضم لفصيل اخر هو خطوة لتقليل التشظي العسكري، فمن الناحية العسكرية يكون استيعاب “نسور الشرق” تحت مظلة العدل والمساواة تحت عنوان أن سلاحهما أصبح تحت تنسيق الجيش وكل الحركات المتحالفة معه، بدلاً من أن يكون كل فصيل يعمل لوحده ولحسابه، وبرأيي فهذه الخطوة تتماهى وتمهد لعملية “دمج المليشيات” في الجيش والضغط في اتجاه واحد وهو أن أي سلاح خارج المؤسسة العسكرية لابد أن ينتهي أو يختفي بعد الحرب، ولذلك نقول أن انضمام “نسور الشرق” هي ورقة رابحة في طريق تطبيق الدمج والتسريح عملياً.
تطبيق ال DDR
وتسائل العميد م إبراهيم، ماذا يعني هذا الدمج للمواطن العادي في الشرق؟ إذا كان الاندماج حقيقي وميداني، فالأثر المباشر هو تأمين المناطق وأمن الطرق كسلا، بورتسودان، عطبرة إلخ.. فأي نقطة أو ارتكاز كان يتبع لـ”نسور الشرق” أصبح الان تحت قيادة واحدة موحدة على رأسها الجيش، وهذا على الأقل سيقلل احتمالية الجبايات العشوائية التي ترهق كاهل المواطن، مع رسالة قوية لمليشيا الدعم السريع أن الشرق أصبح تقريباً تحت مظلة الجيش ولا مساحة لفصيل محايد أو موالي للدعم السريع.
من المنتظر وبعد الحرب أن مقاتلي “نسور الشرق” سيكونون جزءاً من نقاش الدمج والتسريح، بدلاً من أن يظلوا كجماعة منفصلة، وهذا كما أسلفنا هو التطبيق العملي لفكرة “السياسة تلحق الواقع”.
فبدلاً من الحديث النظري عن “وحدة البندقية”، فهاهي البندقية قد نزلت الميدان وتم ضم فعلي لفصيل من الفصائل، حتى ولو كان صغيرا، فهذه الخطوة هي التي تعطي المصداقية لكل الأحاديث التي تتكلم عن ترتيبات ما بعد الحرب.
