في لحظة محمّلة بالدلالات، دشّنت ولاية الخرطوم عودة النشاط إلى مسرح خضر بشير بعد تأهيله، بمشاركة واسعة من المسرحيين والدراميين، في خطوة تتجاوز بعدها الثقافي لتلامس جوهر معركة استعادة الأمن والاستقرار وتطبيع الحياة العامة بالعاصمة.
لا تمثل إعادة افتتاح مسرح خضر بشير مجرد حدث فني، بل تُعد مؤشراً واضحاً على تعافي المدينة من آثار الحرب، وإعلاناً عملياً بأن الخرطوم قادرة على النهوض من تحت الركام، واستعادة إيقاعها الاجتماعي والثقافي. فالمسرح، بوصفه أحد أقدم وأعمق أدوات التعبير الإنساني، كان دائماً مرآة لحيوية المدن، وغيابه يعني اختلالاً في توازن الحياة العامة، بينما تعني عودته عودة الروح إلى جسد العاصمة.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تأتي في سياق أوسع تسعى فيه الولاية إلى إعادة تشغيل المرافق الخدمية والاجتماعية والإبداعية، تأكيداً على أن الأمن لم يعد مجرد خطاب سياسي أو أمني، بل واقعاً يُترجم في الشارع، وفي دور الثقافة، وعلى خشبات المسارح.
إن تأهيل المسرح وفتحه للجمهور يبعث برسالة قوية مفادها أن الخرطوم تمضي بثبات نحو مرحلة جديدة، عنوانها الاستقرار وتطبيع الحياة.
ويظل للمسرح دور وطني يتجاوز الترفيه، إذ أسهم المسرحيون السودانيون تاريخياً في تشكيل الوعي المجتمعي، وتسليط الضوء على القضايا الملحة، من الحرب والسلام إلى الهوية والتعايش والعدالة الاجتماعية.
ومن خلال المعالجة الدرامية الذكية والمشوقة، يفتح المسرح نوافذ للنقاش، ويقترح حلولاً، ويُعيد طرح الأسئلة الكبرى بلغة فنية قادرة على الوصول إلى وجدان الناس.
إن عودة النشاط المسرحي تعني، في جوهرها، حقن شرايين الخرطوم بالبهجة والسرور والتفاؤل، وطرد العبس والإحباط الذي خلفته سنوات القلق والعنف. فحين تُضاء خشبة المسرح، لا تُضاء فقط الكشافات، بل تُضاء معها آمال مدينة بأكملها في حياة طبيعية، آمنة، ومفعمة بالإبداع.
وهكذا، يعود مسرح خضر بشير ليؤكد أن الثقافة ليست ترفاً مؤجلاً، بل ركيزة أساسية في معركة البناء، وأن الخرطوم، رغم الجراح، ما زالت قادرة على الغناء، والضحك، والحلم من جديد.
khalidfaki77@gmail.com
