الموقف المصري الجديد الصادر عن اعلى سلطة سياسية هي رئاسة الجمهورية والذي حدد خطوط مصر الحمراء في السودان يعبّر عن انتقال نوعي من سياسة الحذر والحياد النسبي في الحرب السودانية إلى تموضع استراتيجي صريح يعتبر وحدة السودان وبقاء مؤسساته وفي مقدمتها الجيش «خطوطاً حمراء» متصلة مباشرة بالأمن القومي المصري، مع التلويح لأول مرة بحق اتخاذ إجراءات، قد تشمل خطوات عسكرية ضمن اتفاقية الدفاع المشترك مع الخرطوم، إذا جرى المس بهذه الخطوط.
هذا التحول يأتي في توقيت دقيق ، ومتزامن مع زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان للقاهرة ، في أعقاب زيارة مماثلة إلى الرياض اثنى البرهان بسخاء على قيادتها. ومع بزوغ عاملان هامان في المشهد السوداني : الأول موقف سعودي واضح وصريح دون مواربة بمواجه الخطر المليشياوي السوداني. مع تنسيق سعودي أمريكي متطور تجاه السودان بعد زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن الشهر الماضي ومحادثاته المستفيضة مع الرئيس ترامب عن مخاطر الأزمة السودانية وطلبه تدخل ترامب شخصياً لايقاف الحرب. والعامل الثاني التطورات الميدانية الخطيرة بعد سيطرة المليشيات على الفاشر وشمال كردفان. ما ضاعف مخاطر التقسيم الفعلي عبر حكومة موازية وكيانات شبه دولية ترعاها أطراف إقليمية. وفي مقدمة ذلك الدعم المكشوف الذي تتلقّاه مليشيات الدعم السريع وشبكات المرتزقة الدوليين. والانعكاس الخطير لذلك على الأمن القومي المصري وعلى مكانة ودور القاهرة إقليمياً وافريقياً.
توقيت البيان يحمل بدوره دلالات مركّبة؛ فهو يأتي بعد مسار تصاعدي في لهجة القاهرة منذ عدة أسابيع ، شمل تأكيد وزير الخارجية المصري على التضامن الكامل مع «حكومة الأمل» في بورتسودان ورفض أي محاولة لتقسيم السودان أو المساواة بين الجيش وأطراف أخرى. كما يتزامن مع ذروة القلق الدولي من جرائم الفاشر . ما يجعل خيار التجاهل مكلفاً لمصر التي ترى في هذه الترتيبات نواة لتقسيم فعلي يُنتِج كياناً عدائياً على حدودها الجنوبية.
هذا البيان، في مضمونه وبنيته، يطيح لغة العموميات التقليدية التي اتسمت بها مواقف القاهرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 والتي اكتفت بالتأكيد على «عدم التدخل» و«تشجيع الحوار» مع التواصل المتوازن مع طرفي الصراع. لكن مصر اليوم تعتمد قاموس «الخطوط الحمراء» فتربط صراحة بين وحدة السودان وبين أمنها القومي ، وتُدرِج أي محاولة لتقسيم البلاد أو إنشاء حكومات موازية ضمن دائرة التهديد المباشر. مع تأكيد رفض الاعتراف بها أو السماح بوجودها. كذلك يرفع البيان لأول مرة سقف التلويح باستخدام أدوات «القوة الصلبة» حين يشير إلى حق مصر الكامل في اتخاذ «كل الإجراءات» التي يتيحها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك. ما يعني أن القاهرة لم تعد تحصر نفسها في مربع الوساطة الإنسانية والسياسية، بل تفتح نظرياً باب الردع الاستباقي في مواجهة سيناريو التقسيم أو تحويل السودان إلى دولة ميليشيات.
على المستوى الجيوسياسي، يعكس هذا الموقف إدراكاً مصرياً عميقاً بأن استمرار الحرب بصيغتها الحالية يهدّد ثلاث دوائر أمنية كبرى: أولاً،؛الحدود الجنوبية المصرية التي تقترب منها سيطرة الدعم السريع بما تحمله من اقتصاد حرب، وتهريب سلاح، واحتمال انتقال الصراع إلى المجال القبلي الممتد داخل مصر. ثانياً ؛ معادلة النيل والقرن الأفريقي، حيث تسعى القاهرة إلى إحاطة إثيوبيا ( مصدر التهديد الاقليمي) بحزام من الشراكات الأمنية مع السودان، إريتريا، والصومال . وبما يحول دون انهيار الدولة السودانية أو تفكك جيشها الذي ان حصل يشكل عبئاً استراتيجياً لا يمكن تحمّله. ثالثاً ؛ أمن البحر الأحمر إذ إن تحوّل السودان إلى ساحة نفوذ مفتوح لقوى متنافسة، من بينها داعمون دوليون وإقليميون لمليشيات الدعم السريع يهدد ممرات التجارة والطاقة التي تعتمد عليها مصر والخليج، ويفتح الباب أمام حضور عسكري واستخباراتي أجنبي أوسع على الضفة الغربية للبحر الأحمر. من هنا تُفهَم إشارة البيان الرئاسي المصري إلى التنسيق الكامل مع رؤية الرئيس ترامب للسلام في السودان، بوصفها محاولة لربط «الخطوط الحمراء» المصرية بمظلّة دولية – أمريكية، تمنح القاهرة غطاءً إذا قررت ترجمة هذه الخطوط إلى خطوات ردعية ملموسة.
أما إذا وضعنا الخطوة الاستراتيجية المصرية في ميزان العلاقات الاقليمية فلا يٌعتقد ان البيان قطيعة مع أحد انما محاولة لادارة الخلاف وفق المنطلق الاستراتيجي للأمن القومي المصري، وربما التأسيس لاحقاً لمعادلة جديدة تجعل من السودان اختباراً حقيقياً لعمق تحالفات القاهرة وحدود براغماتية كل طرف في إدارة تناقضات المصالح داخل الفضاء الإقليمي نفسه.
