– كيف يمكن أن تكون الشراكة الوطنية مدخلًا عمليًا لتحقيق السلام وبناء الدولة؟
– في ظل حربٍ ما زالت مستمرة وتفرض كلفتها الثقيلة على الدولة والمجتمع، لم يعد الانتظار خيارًا سياسيًا ممكنًا، ولم تعد الشراكة الوطنية ترتيبًا مؤجلًا. فاللحظة الراهنة تضع القوى المدنية والسياسية والمجتمع المدني أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في إعادة تنظيم المجال السياسي على قاعدة وطنية قادرة على توحيد الجهود، وضبط التنافس، وتوجيهه نحو هدف واحد هو تحقيق السلام وحماية المصلحة الوطنية العليا.
_لقد كشفت تجربة الفترة الانتقالية أن التنافس غير المنضبط، مهما كانت دوافعه، يؤدي إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل القرار وتآكل الثقة بين المواطن والدولة. وفي المقابل، أظهرت التجربة نفسها أن الشراكة الوطنية، حين تُبنى على إطار مؤسسي واضح وفكر سياسي راشد، قادرة على تحويل الاختلاف من مصدر صراع إلى أداة إصلاح وبناء.
من هذا المنطلق، يناقش هذا المقال التحول من التنافس إلى الشراكة الوطنية، لا بوصفه تنازلًا سياسيًا، بل ارتقاءً في الفهم والمسؤولية، ويسعى إلى تفكيك شروط الشراكة الفاعلة ودورها في توحيد الجبهة المدنية، وصناعة السلام، وبناء مسار وطني يعيد الثقة ويضع المواطن في قلب مشروع الدولة.
أولًا: ما الشراكة الوطنية؟ الإطار الذي يتجاوز التحالفات
الشراكة الوطنية أكبر من مجرد تحالف سياسي بين أحزاب أو جهات مختلفة؛ فهي إطار مؤسسي استراتيجي للتعاون المشترك، يربط القوى السياسية والمجتمع المدني والمكونات المختلفة للدولة، بهدف حماية المصلحة الوطنية العليا وإدارة الاختلاف ضمن قواعد واضحة.
وتتيح الشراكة الوطنية:
_توحيد الجهود حول القضايا الوطنية الكبرى مثل السلام، والاستقرار، والتنمية، وبناء مؤسسات الدولة.
_الحفاظ على مساحة للرؤى الفردية لكل حزب أو جهة، دون إلغاء الاختلافات الفكرية أو السياسية.
_إدارة التنافس بطريقة بنّاءة، تحوّل النزاع إلى فرصة للإبداع والتحسين المستمر.
بهذا المعنى، تمثل الشراكة الوطنية رافعة استراتيجية لإصلاح الدولة وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ووضع المصلحة العامة فوق أي مصالح ضيقة أو آنية.
ثانيًا: التنافس خلال الفترة الانتقالية – الدرس الذي لا يجب تجاهله
خلال الفترة الانتقالية، شهد السودان تصاعدًا حادًا في التنافس بين القوى السياسية والمجتمع المدني، دون إطار مؤسسي ضابط. وقد ترك هذا التنافس أثرًا مباشرًا على أداء الدولة، تمثّل في:
_ضعف التنسيق بين المؤسسات وتراجع فعالية القرار السياسي.
_تصاعد الانقسامات الحزبية والفصائلية، بما أدى إلى شلل جزئي في السياسات والخدمات.
_تآكل الثقة بين المواطن والدولة نتيجة تغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة.
_توضح هذه التجربة أن التنافس في حد ذاته ليس المشكلة، بل غياب الإطار القيمي والمؤسسي الذي يحوّله إلى طاقة إيجابية تخدم الاستقرار وبناء الدولة.
ثالثًا: التنافس السياسي – حق مشروع وله حدوده الوطنية.
– التنافس السياسي حق طبيعي لأي حزب أو جهة، وهو عنصر أساسي في أي نظام سياسي إذ:
_ يعكس حرية الممارسة السياسية والمساءلة.
_يحفّز على ابتكار السياسات والمشاريع الوطنية.
_يعزز التزام صناع القرار بمسؤولياتهم أمام المجتمع.
غير أن التجربة الانتقالية أظهرت أن التنافس غير المنضبط يمكن أن يتحول إلى عبء على الدولة، حين يؤدي إلى تعطيل المؤسسات وإضعاف القرار وتآكل الثقة العامة. ومن هنا، يصبح الاستنتاج واضحًا: _التنافس مشروع، لكن الشراكة الوطنية ضرورية لتحويل هذه الطاقة إلى قوة إصلاحية تخدم المصلحة الوطنية العليا.
رابعًا: الشراكة الوطنية في زمن الحرب – مدخل للسلام لا نتيجة له.
– في ظل الحرب المستمرة، لا يمكن النظر إلى الشراكة الوطنية بوصفها اتفاقًا مؤجلًا إلى ما بعد توقف الحرب. بل هي أداة سياسية عاجلة لتوحيد الجبهة المدنية، وتنظيم الاختلاف، وصناعة مسار واقعي للسلام.
وتقوم هذه الشراكة على:
_التركيز على القضايا الوطنية العليا:
_ وقف الحرب، _استقرار مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي والاجتماعي.
_احترام التعدد والرؤى المختلفة دون إلغاء أو إقصاء.
_تحويل الصراعات السابقة إلى فرص للتعاون المؤسسي وبناء الثقة.
– بهذا الفهم، تصبح الشراكة الوطنية نموذجًا لإدارة الأزمة، لا مجرد تسوية سياسية ظرفية.
خامسًا: كيف تصبح الشراكة الوطنية فاعلة؟ شروط النجاح
لكي تحقق الشراكة الوطنية أهدافها، لا بد من توفر مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها:
_إعادة تعريف المصالح السياسية بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، لا المكاسب الجزئية.
_تطوير آليات مؤسسية دائمة للحوار والتفاهم بين القوى المختلفة.
_الالتزام بالقوانين والضوابط المؤسسية، مع الحفاظ على مساحة للاجتهاد والرؤى الفردية.
_النظر إلى التنازلات السياسية بوصفها فرصًا للتعلم والارتقاء في الفهم السياسي، لا هزائم أو تفريطًا في المبادئ.
بهذه الشروط، تتحول الشراكة من شعار سياسي إلى ممارسة عملية تنتج برامج إصلاحية ومشاريع وطنية قابلة للتنفيذ.
سادسًا: دور الفكر والنخب في بناء الشراكة الوطنية :
أ. الفكر السياسي كرافعة للتحول
نجاح الشراكة الوطنية مرهون بوجود فكر سياسي راشد يحدد قواعد إدارة الاختلاف، ويصوغ رؤية وطنية مشتركة، تقوم على:
_الفكر المؤسسي لضبط التنافس وتحويله إلى عمل منظم.
_الفكر الإصلاحي لتحويل النزاعات إلى فرص تعلم وتجديد.
_الفكر الاستراتيجي الذي يضع المصلحة الوطنية العليا فوق الحسابات الجزئية.
ب. النخب ودورها في صنع القرار
تمثل النخب الفكرية والسياسية حلقة الوصل بين التنافس المشروع والشراكة الفاعلة، من خلال:
_تحليل التحديات وصياغة حلول وطنية مشتركة.
_ممارسة الرقابة الفكرية على السياسات والمؤسسات.
_تعزيز ثقافة الحوار والوعي السياسي داخل المجتمع، ليصبح المواطن شريكًا واعيًا في صناعة القرار.
ج. الاستفادة من التجربة السابقة
إن غياب الدور المنظم للفكر والنخب خلال الفترة الانتقالية أسهم في الارتباك المؤسسي والصراع على السلطة. لذلك، فإن الاستثمار في الفكر والنخب ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لإنجاح الشراكة الوطنية وتحويل التنازلات السياسية إلى ارتقاء في الوعي والممارسة.
اخلص الي :
– في لحظة وطنية لا تزال الحرب فيها قائمة، تتأكد الحاجة الملحّة إلى شراكة وطنية فاعلة بوصفها مدخلًا لإنهاء الصراع، لا نتيجة له. فالتجربة أثبتت أن التنافس غير المنضبط يضعف الدولة ويطيل أمد الأزمات، بينما تتيح الشراكة المؤسسية تحويل الاختلاف إلى قوة بناء وإصلاح.
– إن الشراكة الوطنية ليست تنازلًا سياسيًا بقدر ما هي ارتقاء في الفهم والمسؤولية، ولا تعني إلغاء التعدد أو تسوية الخلافات قسرًا، بل تنظيمها ضمن منظومة وطنية مشتركة تضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار. وبقدر ما تضطلع القوى المدنية والنخب الفكرية بدورها اليوم، بقدر ما تقترب البلاد من وقف الحرب، واستعادة الثقة، وفتح أفق سياسي جديد يقوم على السلام والاستقرار وبناء الدولة بمشاركة مواطنيها.
أمانة الفكر والتخطيط الاستراتيجي – التجمع الاتحادي.
