بصوتٍ يقطر وجعاً، وبشفافية زلزلت ما تبقى من ضمير، أطلق البروفيسور علاء الدين أحمد حسن يوسف صرخته الأخيرة. لم يكن مجرد تسجيل صوتي لعميد كلية طب جامعة الخرطوم، بل كان “نواحاً” على أطلال أعرق منارات العلم في أفريقيا. حكى البروف عن “الفجيعة”؛ عن قاعات العلم التي أكلتها النيران، وكراسي الطلاب التي أصبحت “حطباً للطهي”، وكابلات الكهرباء التي نُهبت لتغرق الكلية في ظلامٍ دامس، تماماً كما غابت الموية وتعطلت أنفاس الحياة في قلب الخرطوم الجريحة.
الوجع الذي يفتت الأكباد لم بكن في دمار الحجر فحسب، بل في إهانة “البشر”. هل يتصور عقل أن أعلى أجر لبروفيسور يبني العقول هو 375 ألف جنيه؟ هذا الرقم المستفز لا يكفي لترميم شتات أستاذ نُهب بيته وسُرقت سيارته وتبخر شقى عمره في لمح البصر. وبدلاً من أن تستنفر الدولة المنظمات وتستنهض وفاء الخريجين بالخارج لتضميد جراح هذا الصرح، جاء الرد بـ “سكين الإقالة” لتُقطع حبال الصدق، في مشهد يعيد للأذهان غصة استقالة أمين الشؤون العلميبة السابق.
من الذي يغرس خنجره في خاصرة هذه الهوية؟
انظروا إلى الوجوه الكالحة التي تطل من خلف الركام؛ إنهم “الكيزان”. هؤلاء الذين ما زالوا يعشعشون في مفاصل الهياكل العليا للجامعة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، يمارسون هوايتهم القديمة في تجريف العقول وتجهيل الوطن. طمس هوية “طب الخرطوم” ليس صدفة، بل هو “اغتيال مع سبق الإصرار” من عصبة تخشى النور وتسعى لتحويل تاريخنا إلى “خرابة” يبنون فوقها استثماراتهم الخاصة. إنهم يذبحون “الجميلة ومستحيلة” بدم بارد، بعد أن فرّغوها من علمائها الذين تشردوا في المنافي ولم يتبقَّ منهم إلا اثنان يصارعان الريح في الولايات.
لأننا نرفض أن نموت صمتاً، ولإنقاذ طلابنا الذين يضيع مستقبلهم بين الركام، الحلول لا تحتمل المجاملة
اولاََ…يجب أن تُقرع أبواب “اليونسكو” والمنظمات الأممية بقوة؛ ليس لطلب الصدقة، بل لفرض دعم إعمار هذه البنية التي تمثل إرثاً إنسانياً، وتوفير معينات أكاديمية تنقذ ما تبقى.
ثانياَََ… نداء حار لكل خريجي الكلية في المهاجر؛ أنتم الرئة التي سيتنفس بها هذا الصرح. أنشئوا “صندوق الإعمار” لدعم أساتذتكم، ليعودوا برؤوس مرفوعة ورواتب تحفظ لهم هيبتهم وتغريهم بالبقاء .
ثالثاََ… لا استقرار لطب الخرطوم إلا بكنس الأيدي العابثة من الإدارة، وتفعيل مسارات أكاديمية “استثنائية” وشراكات إقليمية تضمن للطلاب تدريبهم السريري بعيداً عن مواقع الخطر.
طب جامعة الخرطوم هي “نبضنا” الذي يرفض التوقف، وأي محاولة لطمسها هي محوٌ للسودان من خارطة التاريخ. إنقاذها اليوم هو معركة شرف ووجود.. فهل من مجيب؟
tglawey81@gmail.com
