بين ضفتي النيل، لا تتدفق المياه فحسب، بل تجري دماءٌ واحدة تربط الشمال بالجنوب في وشيجةٍ أزلية لا تقبل القسمة على اثنين. إن ما نشهده اليوم من تلاحمٍ إنساني بين الدولة المصرية وضيوفها من الأشقاء السودانيين ليس مجرد استجابةٍ لظرف طارئ، بل هو الامتداد الطبيعي لعمقٍ استراتيجي واجتماعي ضارب في جذور التاريخ.
لقد فتحت مصر أبوابها، قيادةً وشعباً، بروح “البيت الواحد”، حيث انصهر الإخوة السودانيون في نسيج المجتمع المصري، بعيداً عن سياسات العزل أو المخيمات. هذا الموقف المتميز يعكس وعياً قومياً بأن أمن واستقرار الإنسان السوداني هو جزء لا يتجزأ من الكرامة المصرية. إنها علاقة “مدادها الفسفوري” الوفاء، وجوهرها المصير المشترك الذي يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية ليعيش في وجدان الإنسان البسيط .
ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد المتناغم من بعض “الهنات” التي تضع غصّة في حلوق الأشقاء. إنها أصواتٌ نشاز، أحياناً من هنا وأحياناً من هناك، تثير اتهاماتٍ مجانية وتفتعل توترات لا تخدم سوى أعداء الوحدة. هذه الاتهامات المتبادلة في الفضاء الإلكتروني تخلق ضباباً كثيفاً يحاول حجب شمس الحقيقة، وتؤلم المخلصين الذين يدركون أن “فتنة السوشيال ميديا” قد تخدش وجه العلاقات الصادقة.
ولعل أبرز مثال على محاولات تسميم الأجواء، هو ما تداوله البعض مؤخراً من اتهامات مغرضة تزعم تورط سودانيين في حرق عدد من السيارات داخل جراج بمحافظة الشرقية. هذه الشائعة التي انتشرت كالنار في الهشيم كان هدفها ضرب السلم المجتمعي، لكن بيان وزارة الداخلية المصرية جاء ليضع النقاط على الحروف بمهنيةٍ عالية.
أكدت التحقيقات وتقارير الأدلة الجنائية أن الحريق كان “عرضياً” تماماً، ناتجاً عن اتصال مصدر حراري (مخلفات تدخين سقطت من أحد العقارات) بمخلفات بلاستيكية، مما أدى لاشتعال 6 سيارات. والأهم، أن مسؤول الجراج ومالكي السيارات أنفسهم لم يتهموا أحداً جنائياً، مما يقطع الطريق أمام كل من حاول “تسييس” الحوادث العارضة لإثارة الكراهية.
اخر المداد
إن الرهان اليوم يقع على عاتق العقلاء من الشعبين الشقيقين. فالعلاقة بين مصر والسودان أكبر من أن تنال منها “سيجارة مشتعلة” أو “تدوينة حاقدة”. إنها علاقة صاغها النيل وتوجتها المواقف الصلبة. سيبقى السوداني في وطنه الثاني مصر مكرماً، وستبقى مصر هي السند والظهير، ولتخرس كل الأصوات التي تحاول العبث بميثاقٍ غليظ خطّه التاريخ بمدادٍ لا ينمحي.
tglawey81@gmail.com
