” الأوطان لا تُصان ولا تُحفظ بالغلبة، وإنما تُصان وتُحفظ بأسس العدالة والشراكة الوطنية وسيادة حكم القانون والحكم الرشيد والاعتراف المتبادل والإرادة الصادقة التي تُقدم مصلحة الوطن على ما دونها من مصالح فئوية وجهوية وحزبية ضيقة ويُعلمنا التاريخ أن الحروب مهما طال أمدها لا تنتهي إلا إلى ترتيبات سياسية وأمنية وأن ما يُنجز بالحكمة والتفاهم يكون في الغالب أكثر رسوخاً واستدامة مما تُنتجه المواجهات المسلحة ”
غالباً ما تُقاس الحروب في كثير من الأحيان بموازين القوة العسكرية وحجم السيطرة الميدانية فينشغل المتابعون بسؤال من المنتصر ومن المهزوم بينما يغيب السؤال الأكثر عمقاً وتأثيراً: ماذا تحقق سياسياً ؟!
فالحروب في جوهرها ليست غاية في ذاتها وإنما وسائل تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية محددة وعندما تنفصل الوسيلة عن الغاية أو يتحول العمل العسكري إلى مسار قائم بذاته فإن الحرب تفقد معناها الاستراتيجي وتتحول إلى حالة من الاستنزاف المفتوح الذي يستهلك الدول والمجتمعات دون أن ينتج حلاً…
فلكل عمل عسكري هدف سياسي والحرب مهما اشتد لهيبها واتسعت ساحاتها ليست سوى أداة تُستدعى عندما تتعثر أدوات السياسة التقليدية أو تضيق فرص التسوية والتوافق وهي تُوظف عادة لفرض واقع جديد أو تعديل موازين القوى أو دفع الأطراف المتنازعة نحو ترتيبات سياسية مختلفة ولذلك فإن العلاقة بين السياسة والحرب ليست علاقة تلازم عضوي إذ لا تنفصل البنادق عن الطاولات ولا الميدان عن القرار السياسي ودونكم حرب أمريكا و إسرائيل ضد إيران ولا تُفهم نتائج الصراعات المسلحة فهماً صحيحاً إلا من خلال قراءة أهدافها السياسية ومآلاتها الاستراتيجية ومضيق هرمز نموذج…
ومن هذا المنطلق نطرح سؤال من انتصر عسكرياً رماذا تحقق سياسياً ؟ وهل أسهمت العمليات العسكرية في إنتاج واقعٍ أكثر قابلية للحياة؟ أم أنها استنزفت كل الأطراف وأغرقت الوطن في دوامة من الخسائر دون أفقٍ سياسي واضح؟
ولقد أثبتت الكثير الكثير من الحروب بأنها انتهت بمكاسب عسكرية مؤقتة ورهانات سياسية كاذبة أخفقت في إحداث تحول سياسي مستدام فبقيت أسباب النزاع قائمة أو عادت بأشكالٍ أكثر تعقيداً كما أن غموض الأهداف السياسية أو تغبيشها يؤدي في الغالب إلى إطالة أمد الصراع وتحويل الحرب من وسيلة إلى غاية وبالتالي يرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية ويجعل إعادة بناء الثقة والتوافق الوطني أكثر صعوبة.
بالطبع النزاعات لا تنشأ من فراغ ولا تستمد قدرتها على الاستمرار من القوة العسكرية وحدها وإنما تتغذى كذلك على بيئات اجتماعية وفكرية تساهم في تراكم الانقسامات وتضخم مشاعر الكراهية والتمييز والإقصاء فأي مجتمعٍ يُدركه الجهل وتنخر فيه العصبية ويستبد به حب التسلط يصبح أكثر قابلية لتوالد الاحتقان والصراع والعنف، وتضعف فيه قيم العدالة والإنصاف حتى قد تتحول الخلافات الطبيعية إلى نزاعات تهدد وحدته.
وهنا نجد أهمية البعد القيمي والأخلاقي في بناء السلام وصيانة التماسك الوطني فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن السخرية والاحتقار والتنابز بالألقاب لما تحمله هذه السلوكيات من بذور الفرقة والعداوة والبغضاء فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
فما يدريك أن من تختلف معه أو تحتقره هو عند الله خيرٌ منك مقاماً وعملاً ؟ وما يدريك أن الحقيقة التي تراها مطلقة قد تكون جزءاً من حقيقة أكبر لا يكتمل إدراكها إلا بالحوار والتواضع الفكري ؟
إن معركتنا من أجل بناء الوطن لا يمكن أن تُخاض في ميادين القتال وحدها وإنما تُخاض أيضاً في ميدان الوعي. ولذلك فإننا بحاجة إلى مراجعةٍ جادة لأفكارنا وقناعاتنا ونظرتنا إلى الآخرين حتى نهزم جيوش التحيز والعصبية التي طالما عسكرت في بعض النفوس والعقول ونكسر عصا العنصرية والإقصاء التي أضرت بالمجتمعات وأنتجت من الأزمات ما يفوق بكثير…
لذا أننا بحاجة إلى ترسيخ ثقافة الوعي والتسامح والعدل واحترام كرامة الإنسان.
لأن الحروب عندما تشتعل وتطول النزاعات فإن الجميع يدفع الثمن بدرجات متفاوتة فالأرواح التي تُزهق لا تعود والممتلكات التي تُدمر تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائها والعداوات التي تخلفها الحروب تترك ندوباً عميقة في الذاكرة الفردية والجماعية وقد يظن بعض الناس أنهم حققوا نصراً عسكرياً أو مكسباً سياسياً ولكنهم يكتشفون لاحقاً أنهم يقفون أمام وطن منهك واقتصاد متراجع ونسيج اجتماعي أصابه التصدع والتآكل.
ومن هذه الزاوية فإن وضوح الهدف السياسي يمنح العمل العسكري حدوده الطبيعية ويجعله قابلاً للتقييم والضبط و…، فحين تُحدد الغاية النهائية بوضوح يصبح الميدان خادماً للسياسة لا بديلاً عنها ولا مُخدِّماً لها وتصبح العمليات العسكرية جزءاً من استراتيجية شاملة لا مساراً مستقلاً عنها أما حين يغيب الأفق السياسي فإن العمل العسكري يفقد بوصلته ويتحول إلى استنزاف مفتوح لا يورث سوى مزيد من الخسائر والتعقيدات…
فليعلم الجميع إن الحروب لا تصنع مستقبلاً مزدهراً ولا تبني دولاً مستقرة وإنما تزيد من معاناة المواطنين وتبدد الطاقات والموارد التي كان يمكن توجيهها نحو التنمية والإعمار وبناء المؤسسات وتعزيز الاستقرار ولذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي النظر إلى السلام بوصفه انتصاراً للجميع لا استسلام وإلى الحوار والتوافق باعتبارهما الطريق الأكثر أمناً والأقل كلفة لحماية الأوطان وصون كرامة الإنسان.
إلا أن نجاح الحوارات والتسويات لا يُقاس بمجرد انعقاد جلسات التفاوض أو توقيع الاتفاقات ففي علم التفاوض وإدارة النزاعات لا تتجسد قيمة الاتفاق في لحظة التوقيع بل في جوهره التنفيذي أي في الالتزام الصادق بتحويل بنوده إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس ويُرسخ الاستقرار ويُعيد بناء الثقة…
وكثيراً ما تعثرت اتفاقات أو انهارت لأنها افتقرت إلى الإرادة السياسية الجادة، وإلى الالتزام الأخلاقي والمؤسسي الكفيل بإنفاذها بينما نجحت اتفاقات أخرى حين تعاملت أطرافها معها باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة لا مجرد وثيقة سياسية أو مكسباً مرحلياً بل التزاماً اخلاقياً تاريخياً يُقاس أثره بالنتائج لا بالنصوص.
وبالمثل فإن الحوار يظل ضرورة لا غنى عنها في إدارة الخلافات وتقريب وجهات النظر غير أن الاحترام المتبادل بين الأطراف يبقى أكثر أهمية من مجرد إدارة الحوار نفسها فالحوار يمكن تنظيمه وترتيب إجراءاته أما الاحترام المتبادل فهو الذي يمنحه المعنى والمصداقية والقدرة على بناء الثقة.
وعندما يغيب الاحترام والتقدير ينحدر الحوار إلى ساحة لتبادل الاتهامات الجزافية وتصلب المواقف وحين يتوفر الاحترام والتقدير يتحول الاختلاف ذاته إلى مدخلٍ للفهم والتقارب وصناعة الحلول المشتركة.
ومن ثم فإن أي عملية سلام أو توافق وطني مستدام لا تقوم على التوقيع وحده ولا على الحوار وحده وإنما تقوم على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه وعلى الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة للجميع باعتبار ذلك الأساس الحقيقي لبناء الوحدة الوطنية وترسيخ السلام.
وفوق كل ذلك فإن بناء السلام المستدام يبدأ من بناء الإنسان نفسه بتطهير القلوب من الكِبر والتعالي والأحقاد والعصبيات وترسيخ قيم الرحمة والإنصاف والاعتدال حتى يصبح الاختلاف مصدر إثراء والتنوع مصدر قوة لا مدخلاً للانقسامات أو سبباً للصراع.
والأوطان لا تُصان بالغلبة وإنما تُصان وتُحفظ بأسس العدالة والشراكة الوطنية وسيادة حكم القانون والاعتراف المتبادل والإرادة الصادقة التي تجعل مصلحة الوطن فوق المصالح الفئوية والجهوية والحزبية الضيقة…، ويعلمنا التاريخ أن الحروب مهما طال أمدها تنتهي إلى ترتيبات سياسية وأمنية وأن ما تصنعه الحكمة والتفاهم يكون في الغالب أكثر رسوخاً واستدامة مما تصنعه المواجهات المسلحة.
وخلاصة القول إن الحرب ليست نهاية الصراع بل إحدى أدوات إدارته عندما تضيق مسارات السياسة وتتراجع فرص التسوية السلمية ومعيار النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يحدث في ساحات القتال وإنما بما يتحقق بعد توقفها من استقرار وسلام وتوافق وقدرة على بناء المستقبل المشرق للأجيال القادمة وعند هذه النقطة وحدها يمكن الحكم على ما إذا كان العمل العسكري قد حقق غايته السياسية أم أنه استمر خارج هدفه الأصلي وتحول إلى عبءٍ على الوطن وأهله.
وفي نهاية المطاف لا يكفي أن يعلن طرفٌ ما انتصاراً عسكرياً حتى يكون منتصراً بالفعل فالمعيار الحقيقي للانتصار هو ما يتحقق للوطن من أمن وإستقرار ووحدة وتنمية وأمل في المستقبل أما إذا كانت النتيجة وطناً جريحاً ومجتمعاً ممزقاً واقتصاداً منهكاً وثقةً وطنية مفقودة فإن المنتصر الوحيد هو الخراب والدمار.
