رصد_ سما الوطن
هناك مدنٌ تمر في حياة الناس مرور العابرين، ومدنٌ أخرى تسكن الوجدان فلا تغادره أبدًا. وكانت مدينة الأبيض بالنسبة للشريف عثمان عمر من النوع الثاني؛ مدينةً لم تكن محطةً في رحلة النفي، بل صارت جزءًا من الحكاية نفسها.
حين ضاقت سلطات نظام الإنقاذ الانقلابي بالشريف وبشعبيته الجارفة، وبعد أن تحوّل سجن كوبر إلى مقصدٍ للمحبين والأنصار والزائرين من كل أنحاء السودان، ظنّوا أن الحل يكمن في إبعاده عن أهله وأحبابه. أرادوا عزله في مدينة بعيدة، وكان السفر إلى الأبيض يومها يستغرق أيامًا طويلة، وظنّوا أن المسافات ستفعل ما عجزت عنه السجون.
لكنهم لم يعرفوا الأبيض.
لم يعرفوا تلك المدينة التي إذا فتحت أبوابها لإنسان، فتحت له معها قلوب أهلها. لم يعرفوا رجالها ونساءها الذين لا يسألون الضيف من أين أتى، بل كيف يكرمونه. ولم يعرفوا أن كردفان كلها خُلقت من الكرم والشهامة والوفاء.
وصل الشريف إلى الأبيض منفياً، لكن الأبيض استقبلته استقبال الفاتحين.
كان مشهد محطة القطار يومها حديثًا ظل الشريف يرويه بفيضٍ من المشاعر. رجال ونساء وشيوخ وشباب احتشدوا لاستقباله، حتى بدت المدينة كلها وكأنها خرجت لتحيي ضيفها الكبير. كان يحكي تلك اللحظات، وتلمع في عينيه دموع الامتنان، وكأن المشهد لم يغادر ذاكرته أبدًا.
ولم يكن ذلك الاستقبال حدثًا عابرًا.
فقد تحولت الأبيض إلى بيتٍ كبير للشريف وزواره. فتحت بيوت أهلها أبوابها للقادمين من كل أنحاء السودان. استقبلوا الآلاف ممن جاءوا لزيارة الشريف في محبسه، وتقاسموا معهم الطعام والمجالس والراحة، دون منٍّ أو أذى، وكأنهم يستضيفون أبناءهم وإخوتهم.
وهكذا فشل النفي.
أرادوا أن يبعدوا الشريف عن الناس، فإذا بالأبيض تقرّبه إليهم أكثر. أرادوا أن يحاصروه بالأسوار، فإذا بمحبة أهل كردفان تكسر كل الأسوار. وأرادوا أن يجعلوا سجنه عزلة، فإذا به يتحول إلى صفحة مضيئة من صفحات الوفاء السوداني.
لذلك لم يكن غريبًا أن يقال إن سجن الأبيض كان أحب إلى الشريف من حرية الخرطوم. ففي الأبيض وجد صدق المحبة، ونبل المواقف، وكرم الرجال، وأصالة النساء، ووجد السودان في أجمل صوره.
واليوم، وأنا أرى الأبيض تواجه المحنة وتتعرض للاستهداف والمعاناة، أتذكر تلك الحكايات. أتذكر المدينة التي وقفت مع الشريف في أيام الشدة، وأتذكر أهلها الذين كتبوا أسماءهم في سجل الوفاء بحروفٍ من نور.
إن الأبيض ليست مجرد مدينة سودانية؛ إنها رمزٌ للصبر والكبرياء والشموخ. مدينةٌ ظلّت عبر تاريخها بوابةً للغرب السوداني، وملتقىً للثقافات، ومضربًا للمثل في الكرم والأصالة.
ومن حق هذه المدينة على كل السودانيين أن يقفوا معها اليوم كما وقفت هي بالأمس مع كل السودان.
إن ما تتعرض له الأبيض من استهداف ومعاناة ليس شأنًا يخص أهلها وحدهم، بل قضية وطن بأكمله. فحين تتألم الأبيض، يتألم السودان. وحين تصمد الأبيض، ينتصر السودان.
ولهذا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم على الجميع أن يستنفروا جهودهم من أجل هذه المدينة العزيزة، دعمًا لأهلها، وإسنادًا لصمودها، ووفاءً لتاريخها ومواقفها.
أما أنا، فإني أكتب اليوم لا لأستعيد ذكرى فحسب، بل لأرد جزءًا من جميلٍ كبير لا يُنسى.
أكتب للأبيض…
لأهل الأبيض…
للرجال والنساء الذين صنعوا من الوفاء قصةً تُروى.
أكتب للمدينة التي احتضنت الشريف يوم أرادوا نفيه، فحوّلت النفي إلى محبة، والسجن إلى رمزٍ من رموز الكرامة.
وأقول لها:
نحن مع الأبيض…
مع أهلها…
مع صبرها وشموخها…
حتى تنتصر.
د.شذي الشريف
القاهرة ١٩ يونيو
